تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
أوائل الكيفيات الملموسة ، وقوام الشيء من جنس ما يدرك منه ، حتى الدود في الطين ، وتسمى بالخراطين . فإنها إذا غرزت فيها إبرة انقبضت للهرب ، لا كالنبات فإنه إذا قطع لا ينقبض ؛ إذ لا يحس بالقطع ، وإن كان للنبات بل الجماد إدراك على نمط آخر يعرفه المكاشفون ، ويحجب عنه المترسمون . إلا إنك لو لم يخلق لك إلا هذا الحس لكنت ناقصا كالدود ، لا تقدر على طلب الغذاء من مكان يبعد عنك ، فافتقرت إلى حس آخر تدرك به ما بعد عنك ، فخلق لك الشم ، إلا إنك تدرك الرائحة ، ولا تدري من أي ناحية جاءت ، فتحتاج إلى أن تطوف كثيرا من الجوانب ، فربما تعثر على الغذاء الذي شممت رائحته وربما لم تعثر ، فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق فيك إلا هذا ، فخلق لك البصر لتدرك به ما بعد عنك ، وتدرك جهته فتقصد تلك الجهة بعينها ، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصا ؛ إذ لا تدرك بهذا ما وراء الجدران والحجب وفي الظلمة ، وقد لا ينكشف إلا بعد قرب العدو والمهروب عنه ، فتعجز حينئذ عن الهرب ، فخلق لك السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الجدران ، وفي الليالي المظلمة عند جريان . وقال أيضا في مكان آخر : ولأنك لا تدرك بالبصر إلا شيئا حاضرا ، وأما الغائب فلا يمكنك معرفته إلا بكلام ينتظم من حروف وأصوات تدرك بحس السمع ، فاشتدت إليه حاجتك ، فخلق كل ذلك . وميزت بفهم الكلام عن سائر الحيوانات ، وكل ذلك ما كان يغنيك لو لم يخلق فيك حس الذوق ، إنه قد يصل الغذاء ، فلا تدرك أنه موافق لك أو مخالف ، فتأكله فتهلك ؛ كالشجرة تصب في أصلها كل مائع ، ولا ذوق لها فيجتذبه ، وربما يكون ذلك سبب جفافها ، ثم كل ذلك لا يكفيك لو لم يخلق فيك إدراكا آخر يسمى حسا مشتركا ، موضعه مقدم الدماغ ؛ إذ تتأدّى إليه مثل هذه المحسوسات الخمس وتجتمع فيه ، ولولاه وما بعده من الحافظة ، والواهمة ، والمتصرفة ، والذاكرة لطال الأمر عليك ، وهذا كله تشاركك فيه الحيوانات ، فلو لم يكن فيك إلا هذا ، لكنت ناقصا كالبهيمة ، لعدم إدراكك عواقب الأمور كباقي الحيوانات ، فميزك وأكرمك وفضّلك على كثير من خلقه تفضيلا بقوة أخرى ، هي أشرف من الكل ، هو العقل الذي يدرك منافع كل شيء ومضاره بحسب الحال والمآل جميعا ، والله ولي الأفضال . وهي خمسة ، لكنها ثلاثة أقسام : مدرك ، وحافظ ، ومتصرف . والقسم الأول : إما مدرك للصور ، وإما مدرك للمعاني ، وكذا الثاني . فمدرك الصور يسمى بالحس المشترك ، ونبطاسيا في لغة اليونان ؛ أي لوح النفس ، وهي قوة متعلقة بالتجويف الأول من الدماغ ، ولولاها ما يمكن الحكم لنا بالمحسوسات المختلفة دفعة ، ولا أمكنك مشاهدة النقطة الجوالة لسرعة دائرة ، والقطرة النازلة خطا مستقيما ، فهذه أحد الدلائل على وجودها ؛ لأن المشاهدة بالبصر ليست إلا للمقابل ، وما قابل منهما إلا نقطة وقطرة ، وحافظها قوة تسمى بالخيال . والمصورة تعلقها بآخر التجويف الأول ، تجتمع عندها مثل المحسوسات ، وإن غابت موادها عن الحواس غيبة طويلة ، فهي خزانة المحسوسات ، ولها خطب عظيم ، ولنا في
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 204 | السيد جعفر السجادي / علي الحاج حسن