تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
يقول صدر المتألهين : حكمة ربانية : الحكمة في وجود هذه القوى من لدن ألطفها إلى أكدرها : " أما في الحيوان بما هو حيوان ، فللمحافظة على الأبدان بحسب كمالها الشخصي والنوعي من الهلاك والتلف ؛ لأنها لمنافع الإنسان من الحمل والركوب والزينة ، لقوله ( تعالى ) :
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
. وأما في الإنسان فهذه المحافظة بحصة الحيوان ، مع ما يتوسل بها الشخص إلى اكتساب الخير الحقيقي ، والكمال الأبدي ، والسعادة الأخروية في الدار الحيوانية ، فالعناية الإلهية جعلت في جبلّة الحيوانات داعية الجوع والعطش ، كيلا تدعو نفوسها إلى الأكل والشرب ، ليخلف بدلا عما يتحلل ساعة فساعة من البدن الدائم التحلل والذوبان ، لأجل استيلاء الحرارة الغريزية عليه ، الحاصل فيه من نار الطبيعة الكامنة في مركبات هذا العالم ، شأنها النضج والتحليل ؛ كمثال نار الجحيم في قوله ( تعالى ) :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
، وجعلت لنفوسها أيضا الشهوة والغضب ، والراحة والتعب ، والآلام والأوجاع عند الآفات العارضة لأبدانها وغير ذلك ، لتحرّض النفوس على حفظ الأبدان من الآفات ، وإدامتها مدة من الأوقات إلى أجل معلوم ( مفاتيح الغيب ، ص 504 ، 507 ، والأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 300 ) . فصل في الحواس الظاهرة والباطنة : ثم خلق الله للحيوان أيضا ، قوى أخرى إدراكية ، وهي أشرف من التحريكية ؛ لأنها أشد نفسانية منها ، ليميز الملائم عن المنافر ، والنافر عن الضار ، فيطلب أحدهما بالشهوة والآخر بالغضب ، عناية من الله على عباده للحياة الدنيا ، التي هي طريق الآخرة ، وهي منقسمة إلى ظاهرة مشهورة ، وباطنة مستورة . أما الظاهرة فهي خمس : اللمس ، والذوق ، والشم ، والسمع ، والبصر . الأخيران ألطف هذه الحواس ، كادت أن تكون مدركاتها خارجة عن عالم المادة والحركة والكلام في أن أيهما أشرف طويل . وحاجة الحيوان إلى الحواس من جهة الحركة لتحصيل الغذاء ، ولهذا تكون الحركة في الحيوان أشرف من الإدراك ، شرف الغاية على ذي الغاية . وأما الإنسان فحاجته إليها ، لأجل العلوم العقلية المنتزعة من الحسيات ، ولهذا قيل : من فقد حسا فقد علما . فالإدراك في الإنسان أشرف من الحركة ؛ لأنه غايتها . فانظر إلى ترتيب حكمة الله في خلق الحواس الخمس ، التي هي آلة الإدراك . فأولها حاسة اللمس ، وإنما خلقت لك حتى إذا مستك نار محرقة ، أو سيف جارح تحس به وتهرب منه ، وهذا أول حس يخلق للحيوان ، ولا يتصور حيوان إلا وله قوة اللمس ؛ لأنه لو لم يحس أصلا فليس بحيوان ، وأنقص درجات الحس أن يحس بما يلاصقه ويماسه ، فإن الإحساس بما يبعد منه إحساس أتم لا محالة ، والجامع للأتم جامع للأنقص كما برهن عليه ، ويظهر من قاعدة الإمكان الأشرف ، فهذا الحس موجود لكل حيوان ؛ لأن تركيبه من عناصر ذوات