تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
يشترط فيه تخصيصه بهيئة مخصوصة ، فكل ما يقاس به الشيء ، بأي خصوصية كانت ، حسية أو عقلية ، يتحقق فيه حقيقة الميزان ، ويصدق عليه معنى لفظه ، فالمسطرة ، والشاقول ، والكونيا والإسطرلاب ، والذراع ، وعلم النحو ، وعلم العروض ، وعلم المنطق ، وجوهر العقل ، كلها مقاييس وموازين توزن بها الأشياء ، إلا أنه لكل شيء ميزان يناسبه ويجانسه ؛ فالمسطرة ميزان الخطوط المستقيمة ، والشاقول ميزان الأعمدة على الأفق ، والكونيا ميزان السطوح الموازية للأفق ، والإسطرلاب ميزان الارتفاعات القوسية من الأفق أولا ، ولجيوبها وأوتارها ثانيا ، والنحو ميزان الإعراب والبناء للفظ على عادة العرب ، والعروض ميزان كمية الشعر ، والمنطق ميزان الفكر يعرف به صحيحه عن فاسده ، والعقل ميزان الكل إن كان كاملا ؛ فالكامل العارف إذا سمع الميزان لا يحتجب عن معناه الحقيقي بما يكثر إحساسه ويتكرر مشاهدته من الأمر الذي له كفتان وعمود ولسان ، وهكذا حاله في كل ما يسمع ويراه ، فإنه ينتقل إلى فحواه ويسافر من ظاهره وصورته إلى روح معناه ، ومن دنياه إلى أخراه ، ولا يتقيد بظاهره وأولاه ، وأما المقيد بعالم الصورة فلجمود طبعه ، وخمود فطنته ، وسكون قلبه إلى أول البشرية ، وإخلاد عقله إلى أرض الحيوانية ، فيسكن إلى أوائل الفهوم ، ويطمئن إلى مبادئ العقول ، ولا يسافر من مسقط رأسه ومعدن جسمه ومنبت حسه ، ولا يهاجر من بيته إلى الله ورسوله ، حذرا من أن يدركه الموت ، وتفوته الصورة الجسمية ، ثم لا يصل إلى عالم المعنى لعدم وثوقه بما وعده الله ورسوله ، وعدم تصديقه بما قال ( تعالى ) :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
. والحاصل : إن الحق عند أهل الله ، هو حمل الآيات والأحاديث على مفهوماتها الأصلية من غير صرف وتأويل ، كما ذهب إليه محققوا الإسلام ، وأئمة الحديث لما شاهدوه من سيرة السابقين الأولين ، والأئمة المعصومين ( سلام الله عليهم أجمعين ) ، من عدم صرفها عن الظاهر ، لكن مع تحقيق معانيها على وجه لا يستلزم التشبيه والنقص والتقصير في حق الله . قال بعض فضلاء المعتقد : إجراء الأخبار على هيئاتها من غير تأويل ولا تعطيل ؛ فمراده من التأويل حمل الكلام على غير مفهومه الأصلي ، ومن التعطيل ؛ التوقف في قبول ذلك المعنى ، وأكثر أهل الدين على أن ظواهر معاني القرآن والحديث حق وصدق ، وإن كانت لها مفهومات أخر فوق ما هو الظاهر ، كما في الحديث المشهور : " إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا " . كيف ولو لم تكن الآيات والأخبار محمولة على ظواهرها ومفهوماتها الأولى ، كما زعمه أكثر الفلاسفة . لما كانت فائدة في نزولها وورودها على الخلق كافة ، بل كان نزولها موجبا لتحيّر الخلق وضلالهم ، وهو ينافي الهداية والرحمة والحكمة . فكيف يكون القرآن تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ؟ وكيف يكون الرسل الهادين المهديين ، وهم زادوا على ما قالوا ألغازا ومجازات طول أعمارهم ؟ فتعالى كلام رب العالمين ، وحاشا أحاديث نبيه أعلم