وقد صرح صدر المتألهين بأنه اتبع هذا الطريق الشريف والوثيق للدخول إلى المقصود ، وإثبات وجود الغايات العقلية العلوية للحركات الطبيعية والنفسانية .
ثم ذكر تفريعا عقليا أكد فيه أن جميع الحركات الطبيعية والنباتية والحيوانية تنتهي إلى الخير الأقصى ؛ أي الخير النهائي الذي هو الذات المقدسة الإلهية . . .
الحركة القسرية :
الحركة القسرية عبارة عن حركة لا يكون سببها من داخل المتحرك ، لا بل تتحرك من خلال القوة القهرية للمتحرك ، وذلك خلافا للميل الطبيعي ؛ كحركة الحجر إلى الأعلى حتى لو زال القسر تعود إلى طبعها .
" في تحقيق مبدأ الحركة القسرية
أصح المذاهب فيه ، أن يكون ذلك هو الطبيعة التي في المقسور بسبب تغييرها الحاصل لها بفعل القاسر وإعداده ، وأما الذي دل عليه ظاهر كلام الشيخ ، من أن المبدأ هو الميل المستفاد من المحرك الخارج ، ففيه أن نفس المدافعة لا يكفي في الحركة القسرية ، أما التي حصلت من القاسر فغير باقية ، وأما التي تحصل شيئا فشيئا من الطبيعة فيرجع إلى أن المبدأ في الطبيعة ، فالطبيعة في إعطاء الميول القسرية غير الملائمة كالطبيعة في إعطاء الميول الطبيعية الملائمة ، وهذا كالمرض والحرارة الغريبة التي تفيدها طبيعة المريض لخروجها من مجراها الأصلي حتى يعود إلى حال الصحة ، فيفيد ما كان ملائما لها ، وكالشكل المضرّس ، فيفيد الطبيعة لخروجها بالقسر عما اقتضتها من الاستدارة ، إلا أنها لا تعود إليها لوجود اليبوسة الطبيعية التي شأنها حفظ الشكل مطلقا ، فلا منافاة كما بيّن في موضعه ، ولهذا ذكر الشيخ لولا مصادمات الهواء المخروق حتى يضعف الميل ، وإلا لا يعود المرمي إلا بعد مصاكة سطح الفلك ( الأسفار ، ج 3 ، ص 217 ) .
الحركة القطعية :
قال صدر المتألهين : " قال الشيخ في الشفاء : الحركة اسم لمعنيين :
الأول : الأمر المتصل المعقول للمتحرك من المبدأ إلى المنتهى ، وذلك مما لا حصول له في الأعيان ؛ لأن المتحرك ما دام لم يصل إلى المنتهى فالحركة لم توجد بتمامها ، وإذا وجدت فقد انقطع وبطل ، فإذا لا وجود له في الأعيان أصلا بل في الذهن ؛ وذلك لأن المتحرك يستند إلى المكان الذي تركه وإلى المكان الذي أدركه ، فإذا ارتسمت صورة كونه في المكان الأول في الخيال ، ثم قبل زوالها عن الخيال ارتسمت صورة كونه في المكان الثاني ، فقد اجتمعت الصورتان في الخيال ، فحينئذ يشعر الذهن بأن الصورتين معا على أنهما شيء واحد . وأما في الخارج فلا يكون لها في الوجود حصول قائم كما في الذهن ؛ إذ الطرفان لا يحصل فيهما المتحرك في الوجود ، ولا الحال التي بينهما لها وجود قائم .
الثاني : وهو الأمر الوجودي في الخارج ، وهو كون الجسم متوسطا بين المبدأ والمنتهى ؛