جسم محيط بجميع الجهات يتمكن من تعيين حدودها ، لذلك يجب وجود جسم إبداعي يطلق عليه محدد الجهات لأجل تعيين حدود الجهات ) . إذا ، محدد الجهات هو جسم إبداعي ؛ ( أي غير مسبوق بمادة وزمان ، وهو جسم كروي الشكل يحيط بجميع الأفلاك والأجرام السماوية يسمى فلك الأفلاك أو الفلك الأطلس ) ، وهناك يمتلك حركات مستديرة غير متناهية .
وعلى هذا ، يجب أن يكون لهذا الجسم قوة مجردة تسمى القوى العقلية ، مهمتها الإدارة والتدبير والنظارة على جميع الحركات الدورية ، وتوجب استمرار حركاتها الدورية . وهذه الحركة الدورية المذكورة دائما في حالة تحرك للوصول لذاك المقصد العالي والعقلاني ، لتتشبه به وبصفاته وخصوصياته ، فهدفها التشبه بالعقل المجرد ؛ ذلك لأن حركتها ليست كالحركة الطبيعية لتنتهي إلى السكون ، وليست كالحركات العبثية والجزافية التي تفقد الهدف والغرض ، وليست كالحركة الحيوانية الشهوانية أو الحركة الغضبية ، وهي ليست لأجل الوصول إلى أهداف دنيا ، وتلك التي تتناسب مع العالم السفلي ، لذلك فهي دائما في حالة تبديل للنسب الموجودة في داخلها من القوة إلى الفعل بالتدريج ؛ حيث إنه من غير الممكن أن تبدل كافة النسب داخلها ودفعة واحدة من القوة إلى الفعل . وبما أن الأوصاف والكمالات الموجودة في ذات العقل غير متناهية ، وبما أن الفلك الأطلس يطلب دائما التشبه بها ، لذلك فحركة الفلك المستديرة دائمة ومستمرة .
ثم هناك طريق آخر لدلالة حركات العناصر على وجود الملائكة ، إن حركات الأجسام النباتية التي هي عبارة عن التغذية والدفع مؤثرة في بقاء الشخص ، وهي توجب بقاء النوع بسبب عملية توليد المثل التي تقوم بها ، فهي تدل على وجود مدبر عقلي وملكي روحاني يكون ناظرا على الحركات والأعمال والأفعال وحافظا لنظامها ( الشواهد ، ص 165 ) .
ثم من طرق الدلالة هذه ، أن حركات العناصر المتفرقة عن بعضها الآخر واجتماعها ، ثم استحالتها وتغيرها في الكيفيات المتضادة يحتاج لوجود قدرة ما فوق الطبيعة تجبر العناصر المتضادة على الاتصال والالتئام مع بعضها ، وتمنعها من التشتت والتفرقة . ولا بدّ أن يكون هذا الموجود أمرا غير العناصر وغير المزاج الحاصل من اجتماعها . إذا ، هذا الموجود هو نفس التعلق بها بحيث يتمكن من حفظ شخصها ، والنفس بدورها تحتاج إلى موجود أعلى وأشرف من ذاتها ، ومن حيث نوع الجسم يجب أن يكون هذا الشيء موجودا عقلاني الوجود باسم رب النوع .
من أحد الطرق الأخرى أن لكل حركة بالطبع غاية ، ولكل غاية غاية لتنتهي في النهاية لغاية عقلانية ؛ حيث يوجد لكل موجود ناقص قوتان غريزيتان باسم العشق والشوق ، فتتمكن من خلال العشق أن تحفظ كمالها الأول ، وتطلب كمالها الثاني من خلال قوتها الثانية ، لتتمكن - ومن خلال طلب السافل للعالي - من تنظيم مراتب الوجود ، كما أشار إليها الله ( تعالى ) في الآية الشريفة :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( طه 50 / ) ،