لها ، والتركيب بينهما هو تركيب اتحادي .
يقول صدر المتألهين في الشواهد الربوبية :
" الإشراق التاسع : في أن النفوس لا تتناسخ :
إن التناسخ عندنا يتصور على ثلاثة أنحاء :
أحدها : انتقال نفس من بدن إلى بدن مباين له منفصل عنه في هذه النشأة ، بأن يموت حيوان وتنتقل نفسه إلى حيوان آخر أو غير الحيوان ، سواء كان من الأخس إلى الأشرف ، أم بالعكس ، وهذا مستحيل بالبرهان لما سنذكره .
وثانيها : انتقال النفس من هذا البدن إلى بدن أخروي مناسب لصفاتها وأخلاقها المكتسبة في الدنيا ، فيظهر في الآخرة بصورة ما غلبت عليها صفاته ، كما سينكشف لك عند إثباتنا المعاد الجسماني ، وهذا أمر محقق عند أئمة الكشف والشهود ، ثابت منقول من أرباب الشرائع والملل ، ولهذا قيل : " ما من مذهب إلا وللتناسخ فيه قدم راسخة ، وعليه يحمل ما ورد في القرآن من آيات كثيرة في هذا الباب ، وظني أن ما نقل عن أساطين الحكمة ؛ كأفلاطون ومن سبقه من الحكماء الذين كانوا مقتبسين أنوار الحكمة من الأنبياء ( سلام الله عليهم أجمعين ) ، من إصرارهم على مذهب التناسخ ، هو بهذا المعنى لما شاهدوا ببصائرهم بواطن النفوس والصور التي يحشرون عليها حسب نياتهم وأعمالهم
وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً
، وشاهدوا أيضا كيف يحصل في الدنيا للنفوس ملكات نفسانية ، لتكرر أعمال جسمانية يناسبها ، حتى يصدر عنها الأعمال من جهة تلك الملكات بسهولة ، صرحوا القول بالتناسخ ومعناه حشر النفوس على صور صفاتهم الغالبة ؛ كقوله ( تعالى ) :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ
؛ أي على صور الحيوانات المتنكسة الرؤوس ، وقوله :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
، وقوله :
تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
، وقوله :
قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
، وقوله :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
.
وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم : " يحشر الناس على وجوه مختلفة ؛ يحشر الناس على نياتهم ، يحشر بعض الناس على صورة يحسن عندها القردة والخنازير ، كما تعيشون تموتون ، وكما تنامون تبعثون " .
فهذا هو مسخ البواطن من غير أن يظهر صورته في الظاهر ، فترى الصور أناسا وفي الباطن غير تلك الصور ، من ملك أو شيطان أو كلب أو خنزير أو أسد أو غير ذلك ، من حيوان مناسب لما يكون الباطن عليه .
وثالثها : ما يمسخ الباطن وينقلب الظاهر من صورته التي كانت إلى صورة ما ينقلب إليه الباطن ، لغلبة القوة النفسانية حتى صارت تغير المزاج والهيئة على شكل ما هو على صفة من حيوان آخر ، وهذا أيضا جائز ، بل واقع في قوم غلبت شقوة نفوسهم وضعفت قوة