الأضداد ، استعدت لقبول فيض أكمل وجوهر أعلى ، فقبلت من التأثير الإلهي ما قبله الجرم السماوي والعرش الرحماني من قوة روحانية مدركة للكليات والجزئيات ، متصرفة في المعاني والصور .
فهي في الإنسان : كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة من جهة ما يدرك الأمور الكلية ، ويفعل الأعمال الفكرية ، فلها باعتبار ما يخصها من القبول عما فوقها والفعل فيما دونها قوتان : علامة وعمالة ، فبالأولى : تدرك التصورات والتصديقات ، ويعتقد الحق والباطل فيما يعقل ويدرك ويسمى بالعقل النظري . وبالثانية يستنبط الصناعات الإنسانية ويعتقد الجميل والقبيح فيما يفعل ويترك ويسمى بالعقل العملي ، وهي التي تستعمل الفكر والروية في الأفعال والصنايع ، مختارة للخير ، أو ما يظن خيرا ، ولها الجربزة والبلاهة .
والمتوسط بينهما المسمى " بالحكمة " ، وهي من الأخلاق ، لا من العلوم المنقسمة إلى الحكمتين العملية والنظرية ؛ لأنها - وخصوصا الأخيرة - منها كلما كانت أكثر كانت أفضل .
وهذه القوة خادمة للنظرية مستخدمة بها في كثير من الأمور ، ويكون الرأي الكلي عند النظري والرأي الجزئي عند العملي المعتد نحو المعمول .
حكمة مشرقية : النفس عند بلوغها إلى كمالها العقلي واستغنائها عن الحركات والأفكار تصير قوتاها واحدة ، فيصير علمها عملا وعملها علما ، كما إن العلم والقدرة في المفارقات بالنسبة إلى تحتها واحد .
تبصرة : إن للإنسان من بين الكائنات خواص ولوازم عجيبة ، وأخص خواصه تصور المعاني المجردة من المواد كل التجريد ، والتوصل إلى معرفة المجهولات العقلية من المعلومات بالفكر والروية .
ثم إن له تصرفا في أمور جزئية وتصرفا في أمور كلية .
والثاني فيه اعتقاد فقط من غير أن تصير سببا لفعل دون فعل إلا بضم آراء جزئية ، فإذا حصل الرأي الجزئي يتبع حكم القوة المروية قوى أخرى في أفعالها البدنية من الحركات الاختيارية .
أوليها الشوقية الباعثة ، وأخيرتها الفاعلة المحركة للعضلات بالمباشرة ، وكل هذا يستمد في الابتداء من القوة المتصرفة في الكليات بإعطاء القوانين وكبريات القياس فيما يروى ، كما يستمد من التي بعدها في صغريات القياس والنتيجة الجزئية .
فللنفس في ذاتها قوتان : نظرية وعملية - كما تقدم - تلك للصدق والكذب ، وهذه للخير والشر ، وهي للواجب والممكن والممتنع ، وهذه للجميل والقبيح والمباح ، فلهما شدة وضعف في الفعليات ، ورأي وظن في العقليات ، والعقل العملي يحتاج في أفعاله كلها إلى البدن هاهنا إلا نادرا ؛ كإصابة العين من بعض النفوس الشريرة .
وأما الأفعال الخارقة للعادات من المتجردين الكاملين فهي في مقام آخر .
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 149
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص١٤٩