القدس وقد جرت سنة الله تعالى : " أن من قرب إليه شبرا ، قرّبه ذراعا " ، فأفاد له خلعة صورة كمالية يستبقي بها نوعه لعدم احتماله الديمومة الشخصية لمكان لطافة مادته فوق الجماد .
فانظر كيف تمم الجود الواجب الحق نقصان الديمومة الشخصية في هذا الصنف بإعطاء الديمومة النوعية ، فوفى قسطه من البقاء ، فاستبقى نوع ما وجب فساده بقوة مولدة قاطعة لفضلة من مادته ليكون مبدأ لشخص آخر .
ولما لم يحصل كماله الشخصي أول مرة لكون مادته جزءا لمادة شخص سابق ، رتب له النامية الموجبة لزيادة في الأقطار على نسبة محفوظة لائقة .
ولما توقف فعلها على التغذي جعل لها الغاذية ، وجعل للغاذية خوادم من قوى أربع :
جاذبة يأتيها بما يتصرف فيه ، وهاضمة ومحللة للغذاء معدة إياها لتصرف الغاذية ، وماسكة تحفظها مدة لتصرف المتصرف ، ودافعة لما لا يقبل المشابهة .
الإشراق الخامس : في تكوّن الحيوان :
إذا امتزجت العناصر امتزاجا أتم من النبات قبلت من الواجب كمالا أشرف ، وهي النفس الحيوانية ، وحد النفس على ما يعم الأرضيات هي : " كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة " .
فالكمال جنس يعم الحدود وغيره ؛ لأنه عبارة عما يتم به النوع ، وهو وإن كان من باب المضاف إلا أنه يصلح لأن يكون جنسا للمسمى بالنفس ؛ لأن الحد ليس لحقيقتها الجوهرية بل لمفهوم النفسية ، وهي إضافة خاصة .
واحترز بالأول من كمالات ثواني كالعلم وغيرها من الأفاعيل واللوازم ، وبالطبيعي عن الكمال للجسم الصناعي ، وبالآلي عن صور العناصر والمعادن ؛ إذ المراد به اشتمال الجسم على آلات وقوى نفسانية لا على مجرد أجزاء مختلفة ، وبقيد ذي حياة بالقوة يخرج النفوس الفلكية على رأس من يجعل النفس للفلك الكلي والكواكب والأفلاك الجزئية ؛ كالجوارح والتداوير عنده بمنزلة الآلات وقواها كالفروع للنفس .
وأما عند الذاهبين إلى أن لكل كرة في الفلكيات نفسا على حدة ، فلا حاجة إلى هذا التقييد ، ولهذا لم يذكره الأكثرون .
وذكر بعضهم ( كأبي البركات ) عوض قولهم : " آلي " فيقال : " كمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة " .
وزادوا في الحيوانات الأرضية قولهم : " من شأنه أن يحس ويحرّك " .
وهذه النفس وقواها بعد استيفاء القوى النباتية تنقسم إلى مدركة ومحركة . والمحركة إما باعثة على الحركة أو فاعلة لها . والباعثة هي الشوقية المذعنة لمدركات الخيال أو الوهم أو العقل العملي بتوسطهما ، فيحمل الإدراك لها على أن ينبعث إلى طلب أو هرب