القلب . بناء على ما تدل عليه الظواهر القرآنية .
يقول صدر المتألهين : ( تفسير ملا صدرا ، ج 2 ، 47 - 49 ، 230 )
" الخامسة : إن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب - على ما دلت عليه ظواهر القرآن - فلو قدرنا إنسانا مشتغل القلب دائما بالله ( تعالى ) ؛ بحيث لو اشتغل بهذه التكاليف الظاهرة لصار ذلك عائقا له عن الاستغراق في معرفة الله ( تعالى ) ، وجب أن تسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة ، فإن الفقهاء القياسيين قالوا : إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الحكم المعقول ، لا اتباع الظواهر .
إن مخالفة التكاليف وترك العبادات من العبد ، لماذا يصير منشأ للعذاب وباعثا له ( تعالى ) على العقاب ، مع أن ذاته مستغنية عن طاعة العبد ، منزّهة عن لذة الانتقام ، متعالية عن الغرض الحاصل له من تعذيب المجرم والإيلام ؟
والجواب : إن تكليف الله عباده يجري مجرى تكليف الطبيب ، فإذا غلبت عليه الحرارة ، أمره بشرب المبردات ، وهو غني عن شربه ، لا يضره مخالفته ، ولا ينفعه موافقته ، كما اعترف به المعترض ويساعدنا عليه ، ولكن النفع والضر يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله ، وإنما الطبيب مرشد فقط ، فإن وفق المريض حتى وافق الطبيب يشف ويتخلص من ألم المرض ، وإن لم يوفق وخالف تماد به المرض وهلك ، وبقاؤه وهلاكه سيان عند الطبيب لاستغنائه عن بقائه وفنائه .
فكما إن الله خلق للشفاء سببا مقضيا إليه ، فكذلك للسعادة الأخروية سببا وهو الطاعة ونهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكية لها عن رذائل الأخلاق ، ورذائل الأخلاق مشقيات للنفس ، في الدنيا ، مهلكات في الآخرة ، كما أن رذائل الأخلاق ممرضات للبدن في الدنيا ، والمعاصي - بالإضافة إلى حياة الآخرة - كالسموم بالإضافة إلى حياة الدنيا ، وللنفوس طبيب كما إن للأجساد طبيبا . والأنبياء ( عليهم السلام ) أطباء النفوس ، يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد التكاليف المزكية للقلوب .
فالأشاعرة حيث نسبوا الأفعال إلى الله ( تعالى ) ، فقد أساؤوا الأدب وتجاسروا في حق الحق ، وما عرفوا حكمة الإيجاد وترتيب النظام ، وجهلوا علم التكليف ، فكيف أجابوا عمن سألهم من المكلف الذي قيل له : " إفعل " ، أو " لا تفعل " ؟ وبمن تعلق الأمر والنهي ؟ وإلى من توجهت الشريعة النبوية ؟ فكانت الشريعة كلها هباء وعبثا ، وغاية السعي والطاعة ضياعا وهدرا .
وليس متعلق التكليف ما يسمونه بالكسب ، إذ لا تأثير له عند من يقول به ، بل الذي يتعلق به التكليف وينوط به الشريعة اقتدار لطيف من العبد مندرج في الاقتدار الإلهي ؛ كاندراج نور الكواكب والسراج في نور الشمس ، فيعلم بالدليل أن للكواكب نورا منبسطا على وجه الأرض ، لكن ما ندركه لسلطان نور الشمس كما يعطي الحس في أفعال العباد ، إن الفعل لهم حس وشرع ، وإن الاقتدار الإلهي مندرج فيه يدركه العقل بالبرهان ، ولا يدركه
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 145
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص١٤٥