والكمال والنقص والقوة والضعف في الوجودات بنفس هوياتها ، لا بأمر آخر ، وفي الأشياء بنفس وجوداتها لا بأنفسها . وسيأتي لك زيادة إيضاح في هذا الباب عند مباحث التشكيك في هذا الكتاب . وقد استوضح هاهنا أن الوجود بحسب المفهوم أمر عام يحمل على الموجودات بالتفاوت ، لا بالتواطؤ مطلقا " ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 36 ، وج 3 ، السفر الأول ، ص 257 ) .
وقال : " إن من أحوال الموجود بما هو موجود التقدم والتأخر ، ومما يذكر هاهنا أن من التقدم أن يكون بالمرتبة ، ومنه بالطبع ، ومنه بالشرف ، ومنه بالزمان ومنه بالذات والعلية ، وهاهنا قسمان آخران سنذكرهما :
أما بالمرتبة ، فكلما كان أقرب من المبدأ الموجود أو المفروض فهو مقدم ، كما يقال : إن بغداد قبل الكوفة . . .
وأما الذي بالطبع ؛ فكتقدم الواحد على الاثنين ، والخطوط على المثلث مما يرتفع برفعه المتأخر ، ولا يرتفع هو برفع المتأخر ، والاعتبار في هذا التقدم هو ما في إمكان الوجود لا في وجوبه .
وأما الذي بالعلية ، وهو أن يكون وجود المتقدم علة لوجود المتأخر ، فكما أنه يتقدم عليه بالوجود فكذلك بالوجوب ؛ لأنه سبب للمتأخر .
وأما الذي بالشرف والفضل ، فكما يقال : إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مقدم على سائر الأنبياء ( ع ) .
وأما الذي بالزمان ، فهو معروف ولا ينافي هذا كون الجزء المقدم من الزمان متقدما على جزئه اللاحق بالطبع ، فإن التقدم الزماني يقتضي أن لا يجامع المتقدم المتأخر ، بخلاف ما في الطبع ؛ حيث لا يأبى اجتماع المتقدم للمتأخر .
وأما المتقدمان اللذان أشرنا إليهما ، فأحدهما هو التقدم بالحقيقة ؛ كتقدم الوجود على الماهية الموجودة به ، وثانيهما هو التقدم والتأخر به ، وهذا ضرب غامض في أقسام التقدم والتأخر لا يعرفه إلا الراسخون ، فإن للحق ( تعالى ) عندهم مقامات في الإلهية ، كما أن له شؤونا ذاتية أيضا لا تنثلم بها أحديته الخاصة .
وبالجملة وجود كل علة موجبة يتقدم على وجود معلولها الذاتي بهذا النحو من التقدم ؛ إذ الحكماء عرّفوا العلة الفاعلة بما يؤثر في شيء مغاير للفاعل ، فتقدم ذات الفاعل على ذات المعلول تقدم بالعلية . . . " ( الأسفار ، ج 3 ، السفر الأول ، ص 254 ) .
تقدم الفعل على القوة :
يقول صدر المتألهين : " إن الفصول الماضية أوهمت أن القوة متقدمة على الفعل مطلقا ، وهذا مذهب أكثر الناس وجلهم ؛ حيث زعموا أن المادة قبل الصورة ، والجنس قبل الفصل ، ولا نظام العالم قبل نظامه ، وماهية الممكن قبله وجوده ، وليس الأمر كذلك .
والشيخ حكى في الشفاء مذاهب أقوام زعموا أن القوة قبل الفعل ، وهم تفرّقوا في هذا