وأما الإمكان والحاجة والمعلولية وغير ذلك ، فإنما يلحقه لا لأجل حقيقته بما هي حقيقته ، بل لأجل نقائص وأعدام خارجة عن أصل حقيقته ، ثم بالنظر في ما يلزم الوجوب أو الإمكان يصلون إلى توحيد ذاته وصفاته ، ومن صفاته إلى كيفية أفعاله وآثاره ، وهذه طريقة الأنبياء كما في قوله ( تعالى ) :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
.
وتقريره : إن الوجود - كما مر - حقيقة عينية واحدة بسيطة ، لا اختلاف بين أفرادها لذاتها إلا بالكمال والنقص والشدة والضعف أو بأمور زائدة ، كما في أفراد ماهية نوعية وغاية كمالها ما لا أتم منه ، وهو الذي لا يكون متعلقا بغيره ، ولا يتصور ما هو أتم منه ؛ إذ كل ناقص متعلق بغيره مفتقر إلى تمامه ، وقد تبين فيما سبق أن التمام قبل النقص والفعل قبل القوة ، والوجود قبل العدم ، بيّن أيضا أن تمام الشيء هو الشيء وما يفضل عليه . فإذا ، الوجود إما مستغن عن غيره ، وإما مفتقر لذاته إلى غيره .
والأول هو واجب الوجود وهو صرف الوجود الذي لا أتم منه ، ولا يشوبه عدم ولا نقص .
والثاني هو ما سواه من أفعاله وآثاره ، ولا قوام لما سواه إلا به لما مر أن حقيقة الوجود لا نقص لها ، وإنما يلحقه النقص لأجل المعلولية ؛ وذلك لأن المعلول لا يمكن أن يكون في فضيلة الوجود مساويا لعلته ، فلو لم يكن الوجود مجعولا ذا قاهر يوجده ويحصّله ، لا يتصور أن يكون له نحو من القصور ؛ لأن حقيقة الوجود كما علمت بسيطة لا حد لها ولا تعين ، إلا محض الفعلية والحصول ، وإلا لكان فيه تركيب أوله ماهية غير الموجودية " ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الثالث ، ص 13 ) .
برهان الفصل والوصل :
هذا البرهان واحد من براهين إثبات وجود الهيولى ، ويعتمد توضيحه على عدة مقدمات :
أ - لا يوجد أي شيء يقبل مقابله ، بمعنى أنه لا يوجد أي شيء يجتمع مع مقابله ، على ذلك فإن الاتصال لا يقبل الانفصال المقابل له ، فالانفصال إن كان وجوديا فهو ضد الاتصال ، وإن كان عدميا فهو مقابل للاتصال من باب تقابل العدم والملكة ، وعلى كل الأحوال لا يجتمع مع الاتصال .
ب - يجب أن يبقى القابل لشيء على حاله الأول بعد قبوله لأي شيء ، أما الجسم المتصل فإنه يفتقد حالة الاتصال بعد انفصاله .
ج - نعلم بالحس والوجدان أن الموجود الواحد المتصل بعد قيامنا بفصله إلى قسمين يصبح جزئين وأمرين متصلين ، ولا يمكن القول بانعدام الأمر المتصل الواحد وحصول أمرين لا علاقة لهما بالأول ؛ لأنهما هما ذاك الشيء الواحد الذي تعرض للفصل . بناء على ذلك ، فإن المقدمة الأولى توضح لنا أن الشيء الذي قبل الانفصال ليس هو الهيئة الاتصالية ؛ فالهيئة الاتصالية لا تقبل الانفصال ؛ لأن الاتصال لا يجتمع ومقابله ؛ أي