نبي بعدي . ثم أبقى حكم المبشرات وحكم الأئمة المعصومين من الخطأ ( عليهم السلام ) ، وأزال عنهم الاسم ، وأبقى الحكم للمجتهدين بما أدى إليه اجتهادهم ، وأمر من لا علم له بالحكم الإلهي أن يسأل أهل الذكر الحكيم ، كما قال :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *
. فيفتونه بعد ما أدى اجتهادهم ، وإن اختلفوا بعد الاتفاق في الأصول الإيمانية كما اختلفت الشرائع مع اتفاقها فيما يتعلق بذات الله وصفاته واليوم الآخر ، فالنبوة والرسالة من حيث ماهيتها ما انقطعت .
فللأولياء الكاملين فيها مشرب عظيم ، ولا سيما وقد ورد أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : " من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه " ، وروي أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : إن لله عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم النبوة ، وهذا الحديث مما رواه المعتبرون من المحدثين في طريقنا وطريق غيرنا ، وأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : في أمتي محدثين مكلمين ، وقد مر في حديث جعفر الصادق عليه السلام أن معنى المحدث ما هو ، فالنبوة للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، شهادة ، وللولي غيب . هذا فرقان بين النبي والولي في أعلام الله ، والفرق الآخر أن الولي تابع له في جميع ما يأمره وينهاه ، والفرق الآخر تحجير اسم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم والرسول عليه ، فلا يقال عليه هذان الاسمان ، إنما يقال : ولي ووارث ، وهما اسمان إلهيان ، والله ولي الذين آمنوا ، والله خير الوارثين ، والولي لا يأخذ النبوة إلا بعد أن يرثها الله منه ، ثم يلقيها الولي ليكون ذلك أعلى وأتم في حقه ، وبعض الأنبياء ، أخذوها وراثة عن النبي بوجهين كأهل بيته من الأئمة الطاهرين ( عليه وعليهم السلام ) ، ثم علماء الرسوم كانوا يأخذونها خلفا عن سلف إلى يوم القيامة ، فيبعد السند ، وأما الأولياء فيأخذونها عن الله ، من كونه ورثها وجاد بها ، فهم أتباع الرسل بمثل هذا السند العالي المحفوظ ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد .
هذا خلاصة ما أفاده بعض العرفاء ( قدس سرهم ) ، فاحتفظ به ، فإنه من لباب المعرفة ، صدر عن معدن المكاشفة المعنوية ، قال أبو يزيد : أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت . قال ( سبحانه ) لنبيه في هذا المقام ، لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
، وكانوا قد ماتوا وورثهم الله وهو خير الوارثين ، ثم جاد على النبي بذلك الهدى الذي هداهم به ، فهكذا بعينه علوم الأولياء التي أخذوها عن باطن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، إبقاء من الله لها في صدورهم ، ثم الملائكة أيضا رسل الله إلى عباده ، ولم تنقطع رسالتهم ، وهم الملائكة المبلغون من الله دون غيرهم ، وكل روح لا تعطي رسالة فهي روح ، ولا يقال له ملك ؛ لأنه مشتق عن الألوكة وهي الرسالة ، ومن علمه الله بنطق الحيوانات وتسبيح النبات والجماد ، وعلم صلاة كل واحد من الموجودات وتسبيحهم ، يعلم أن النبوة سارية في كل موجود ، لكنه لا يطلق اسم النبي والرسول إلا على الرسول وضرب من الملائكة ، والدليل على أن هذه النبوة سارية في الحيوان قوله ( تعالى ) :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً
( مفاتيح الغيب ، ص 42 - 43 ) .