تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
العالم الأعلى والجنة التي فيها آدم وزوجته ، فهبط منها مارا على جميع الطبقات لقوله :
اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
، فإذا نزل بساحته منسلخا عن الفطرة كثيرا ، وقيل لهم :
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ *
. ومعلوم عند أرباب الحكمة والعرفان ، أن آخر منازل كل متحرك سلك بحسب الجبلة ، هو أول مواطنه ؛ فالإنسان حيث نزل من عالم الجنة الإلهية ، فلا بدّ من عروجه بحسب المنزلة الحقيقية النوعية أن يصعد إليها ، والصعود إلى أعلى المراتب يمتنع إلا بعد المرور على كل درجة يكون بينها وبين ابتداء الرجوع . فصعود الإنسان بحسب كماله النوعي أو الشخصي إلى طبقات ملكوت السماوات ، مما لا بدّ من وقوعه في السير الرجوعي إلى ربه ، كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
، وربّ شخص إنساني وصل إلى بعض الطبقات ووقف هنالك إلى أن يشاء الله ، قال تعالى :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا *
" . ثم إنه استشهد بكلام أمير المؤمنين عليه السلام حول الإنسان في دائرة الصعود إلى الملكوت الأعلى ، فقال ( تفسير ملا صدرا ، ج 2 ، ص 283 ) :

" الإنسان في دائرة النزول والصعود .

إن في كلام سيد الأولياء وخليفة الأنبياء أمير المؤمنين وأخي خاتم النبيين - سلام الله عليهم وعليه وأخيه وأولاده أجمعين - ما يؤكد ما قررناه وينوّر ما صورناه ؛ حيث قال عليه السلام في بعض خطبه مشيرا إلى الأكوان المتجددة في سلسلة العود الراجعة إلى مبدئها الأعلى في المنزلة السفلى : " ثم أنشأ ( سبحانه ) فتق الأجواء وشق الأرجاء وسكائك الهواء فأجرى ماء . . . وظهر منه أن الإنسان الكامل بكل مرتبة مر عليها عند نزوله من عالم الوحدة لا بدّ وأن يتلبس بها ويتصور بصورة تلك المرتبة عند صعوده إلى ذلك العالم ثم يخلع عنه لباسها فيرد الودائع ويؤدي الأمانات إلى أهلها إن كان هو من أهل النهاية والكمال الأتم . إن الإنسان الكامل مظهر جمعية الكل ، وجوده بحسب الكون الزماني كصورة آدمي مستلقي رجله إلى جانب الماضي منذ أوان خلق آدم عليه السلام ورأسه إلى جانب المستقبل في أوان بعث الخاتم عليه وآله السلام ؛ فكان الإنسان منذ خلق الله أول آدمي إلى خلق محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم كان متدرجا في الاستكمال وتصفية الأحوال حتى بلغ إلى غاية الفطرة ومنح رأس الآدمية وأم دماغ الإنسانية بوجود محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم هذا بحسب الزمان وهو سبعة آلاف سنة . وأما بحسب المكان فالإنسان الكامل كشخص قائم عند الله ثابت في الأرض قدماه خارج عن أكناف السماوات عنقه بالغ إلى حد العرش العظيم عظام رأسه كما وصف أمير المؤمنين سيد الموحدين عليه السلام قبيلة الملائكة بقوله : " ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة . . . "