تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
المرتبة الأدنى والأخس منه ، ثم إن كافة الموجودات في هذا العالم الكبير منطوية في العالم الصغير ؛ أي في الإنسان ، " وفيك انطوى العالم الأكبر " ، وكلما وصل الإنسان في مرتبة العلم والعمل إلى كماله الممكن ، ووصلت نفسه إلى مرتبة تصبح عندها عقلا مستفادا ، واتصلت بالعقل الفعال ، هذا من جهة العلم ، ووصل من ناحية العمل بعد عملية التخلية والتحلية والتجلية إلى الله ، بعد قطعه مراحل الأسفار الأربعة ، عندها يطلق عليه الإنسان الكامل وخليفة الله على الأرض ؛ حيث قالوا : " هو الذي يقبل ويهدي بنوره في جميع تجلياته ويعبده بحسب جميع أسمائه " . وقد وضح صدر المتألهين أثناء تفسيره للآية الشريفة
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ *
( تفسير ملا صدرا ، ج 6 ، ص 47 ، 48 ) ، مقام الإنسان الكامل فقال : " وهاهنا سر آخر وهو أن الإنسان لما كان غاية سلسلة الأكوان وخليفة الله ، لكونه أبدع ما في عالم الإمكان ، فيكون علمه لمعة من نور علم الله ، كما أن وجوده مرآة لشمس وجود الله ، ففي قوله
إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ
، بعد قوله :
فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
، إيماء لطيف بأن آدم من شأنه أن يعلم غيب السماوات والأرض ، ومن شانه أن يقول : " إني أعلم ذلك " لإعطاء نشأته علم ذلك . وكذا الكلام في قوله :
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
، فإنه لما أنبأ الملائكة بمعاني أسماء الموجودات العلوية والسفلية ، والظاهرة والباطنة - لاحتواء نشأته الجمعية عليها - فكان الحق ( سبحانه ) فقال بلسانه هذا الكلام ، نظيره ما ورد في الخبر : " أن الله ( سبحانه ) يقول بلسان عبده : سمع الله لمن حمده " . قال بعض أهل المكاشفة والتحقيق : " لما شاء الحق ( سبحانه ) من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء - أن يرى أعيانها - وإن شئت قلت : أن يرى عينه - في كونه جامعا يحصر الأمر ، لكونه متصفا بالوجود ، ويظهر به سره إليه " . . . ، " وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوّيا لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوة . ومن شأن الحكيم الإلهي أنه ما سوى محلا إلا ولا بدّ أن يقبل روحا إليها ، عبّر عنه بالنفخ فيه ، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي الدائم الذي لم يزل ولا يزال وما بقي ثمة إلا قابل ، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس ، فالأمر كله منه ابتداؤه وإليه انتهاؤه ، وإليه يرجع الأمر كله كما ابتدأ منه . فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم فكان آدم عليه السلام عين جلاء تلك المرآة . ثم قال بعد ذكره لعدد من الآيات القرآنية أمثال :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
، وقال تنويرا لذلك :
سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ *
، وقوله مخاطبا للملائكة الأرضية والسماوية :
اسْجُدُوا لِآدَمَ *
، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ *
، وقوله :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
. فظهر وتبين من هذه الآيات والحجج البينات أن الإنسان غاية جميع الأكوان ، وثمرة وجود الأفلاك والأركان ، وظاهر أن ابتداء هبوطه من