التي لا تحتاج للمادة في قوامها ، يمكنها أن تكون مؤثرة في خلق بعض الأمور .
وتوضيح ذلك : إن شأن النفوس أن تتمكن من إيجاد بعض الأشياء في البدن من جهة التصورات الجازمة القوية ، وذلك من دون أي فعل وانفعال جسماني ، مثلا يمكنها إيجاد الحرارة في البدن من دون مادة حارة ، وإيجاد البرودة في البدن من دون مادة باردة .
يعتبر صدر المتألهين في توجيه هذه المسألة أن القوة المحركة للإنسان والحيوان عندها القدرة على امتلاك الأمور المتضادة ، وبعبارة أخرى ، فإن القوة المحركة المدّعمة بالقدرة والاختيار قادرة على إنجاز الفعل أو عدم إنجازه ، لا بل إنها قادرة على إنجاز الفعل وضده ، ثم إن إنجاز كل واحد من الطرفين الضدين يحتاج لوجود مرجح ، وذاك المرجح ليس شيئا آخر سوى تصور واحد من الأمرين ، وهو تصور أن الأمر الفلاني مفيد أو مضر . وهذا التصور للنفع واللذة هو المرجح الذي يؤثر في وجود الأمور ؛ ذلك لأن التصورات والأشواق النفسانية هي مبادئ حركات النفس التي تنتهي إلى إنجاز الفعل ، لا بل إن التصور هو مبدأ إرادة الفعل ، وكلما تصورنا أمرا مفرحا فيه اللذة ، فإن أملنا بحصوله يجعل وجهنا أحمر ، أو تهيج أعضاؤنا وجوارحنا ، وبالعكس فيما لو تصورنا أمرا مخيفا ، عندها يصبح لوننا أصفر ، ويضطرب بدننا .
يقول صدر المتألهين : إنه يمكن للإنسان المعلق على غصن شجرة أن يسقط بمجرد تصور السقوط ، وكم قد يحدث أن يشفى المرضى بمجرد تصور الصحة والسلامة ، وعلى العكس قد يمرض الأشخاص الذين يتصورون المرض ، وقد تعد الطبابة عن طريق الأمور التصورية والنفسانية من جملة حذاقة الأطباء . حتى إنهم قد يعالجون الأمراض الجسمانية . كالفالج عن طريق الأمور النفسانية . يعتبر صدر المتألهين أنه من السهل التصديق أن أصحاب النفوس القوية والشريفة - كالأنبياء - كانوا يشفون المرضى بحيث يقلبون العناصر ، فحولوا النار إلى غير نار ، وأوجدوا الزلازل بدعائهم . . .
الأمور العامة :
تطلق الأمور العامة على ذاك القسم من الفلسفة الذي لا يختص بقسم دون آخر . جاء في الشواهد الربوبية : " الإشراق الحادي عشر : في تعريف الأمور العامة التي يبحث عنها في أحد قسمي الفلسفة الإلهية ، والإشارة إلى أن كلام المتأخرين من الحكماء في تعريف الأمور العامة مضطرب " ( الشواهد الربوبية ، ص 26 - 28 ، والأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 29 ) .
قال الحكماء في تعريف الفلسفة أنها : " الفلسفة هي العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه " . بناء على هذا التعريف فإن كافة العلوم أعم من الأدبية ، الرياضية ، المنطق والعلوم الطبيعية والإلهية وعلم النفس والنجوم والهيئة وعلم الأخلاق ، وحتى الفقه والعلم المختص بالتكاليف الدينية ، تدخل في الفلسفة ، لا بل إنها مشمولة في التعريف المذكور . ذلك لأن كل واحد من هذه العلوم يبحث عن مجموعة من الموجودات وأحوالها