( 1 )
لما ذا أصبح العام الهجري مبدأ للتاريخ :
إن الاسلام أكمل الشرائع السماوية قاطبة ، وقد جاء إلى البشرية بما تتضمنه بشريعة موسى وعيسى عليهما السلام ولكن بصورة أكمل وبصيغة تطابق وتتمشى مع جميع الظروف والأوضاع .
ومع أن السيد المسيح عليه السلام وميلاده المبارك يحظى بالاحترام عند المسلمين إلّا أنّ ميلاده عليه السلام لم يتخذ لديهم مبدأ للتاريخ ، والتوقيت .
وكانت العرب قد جعلت عام الفيل « 1 » مبدأ لتاريخها ، وكانت تقيس حوادثها وأمورها إليه فترة من الزمن ، ومع أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان قد ولد في ذلك العام نفسه ، إلّا أن المسلمين لم يتخذوه مع ذلك مبدأ للتاريخ ، لأنه لم يكن ينطوي على ما يتصل بقضية الإيمان والاسلام
ولأجل هذا أيضا لم يتخذوا عام البعثة مبدأ لتاريخ المسلمين أيضا لأن عدد المسلمين لم يكن يتجاوز في ذلك اليوم ثلاثة أشخاص ، إذن فلم يكن في اي واحد من تلك الحوادث ما يعطي مبررا قويا لاتخاذه مبدأ للتوقيت والتاريخ ، إذ لا بد ان يكون ما يتخذ لذلك قضية مصيرة بالغة الأهمية .
ولكنه في السنة الأولى من الأعوام الهجرية حقق المسلمون انتصارا عظيما وباهرا ، وقد أسست فيه حكومة مستقلة وتخلّص المسلمون من التشرذم والتبعثر ، وتمركزت قواهم وعناصرهم في نقطة واحدة ، وبيئة حرة لا أثر فيها للكبت والاضطهاد ، من هنا جعلوا ذلك العام ( أي العام الذي تحققت فيه هجرة النبيّ العظيم ) مبدأ لتاريخهم ، واخذوا يقيسون إليه - وحتى الآن - كل ما يحدث ويقع من خير وشر ، لتحديد تاريخ وقوعه .
من هنا يكون قد مضى على عام هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله من مكة إلى المدينة الف وأربعمائة وتسعة أعوام .
هامش
( 1 ) وهو العام الذي سيّر فيه أبرهة جيشا لهدم الكعبة تتقدمه الفيلة . راجع المحبّر : ص 5 - 8 .