تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيد المرسلين — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
الهجرة النبوية المباركة ، لأن هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فتحت - في الحقيقة - صفحة جديدة في حياة البشرية ، فقد خرج رسول الاسلام واتباعه من بيئة مكة الرازحة تحت الكبت ، وإلى بيئة مناسبة حرة مكنتهم من إحداث انطلاقة كبرى لم يشهد التاريخ البشري برمّته له مثلا . ( 1 ) فقد استقبل أهل المدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ومن هاجر معه من المسلمين إلى يثرب استقبالا حارا ، ووضعوا تحت تصرّفه كلّ ما توفر لديهم من الامكانات والقوى ، فلم يمض زمن إلّا وتمتع الاسلام بفضل هذه الهجرة المباركة بتشكيلات سياسية وعسكرية ، واتخذ صورة وشكّل حكومة قوية لها وزنها ، وشأنها ، وجانبها المرهوب في شبه الجزيرة العربية ، وسرعان ما نشر رايته على البسيطة كلها تقريبا ، وأسس حضارة عظمى لم تر البشرية لها نظيرا . فإذا لم تحدت تلك الهجرة المباركة المعطاء لقضي على الاسلام في محيط مكة ، وحرم العالم الانساني من هذا الفيض العظيم . من هنا ، ولأجل هذا اتخذ المسلمون هجرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مبدأ لتاريخهم ، ودأبوا على ذلك إلى الآن حيث ينقضي أكثر من ألف وأربعمائة عام ، أي أن هذه الأمة الكبرى تركت وراءها إلى هذا اليوم أربعة عشر قرنا من الأمجاد والمفاخر ، وهي الآن على أعتاب القرن الخامس عشر ؟ ( 2 )

من الذي جعل الهجرة مبدأ للتاريخ ؟

على العكس مما هو مشهور بين المؤرخين من أن الخليفة الثاني جعل هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مبدأ للتاريخ باقتراح وتأييد من الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام وامر بأن تؤرخ الدواوين ، والرسائل والعهود وما شابه ذلك بذلك التاريخ ، فان الامعان في مراسلات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ومكاتباته التي هي مدرجة في الأغلب في كتب التاريخ والسيرة والحديث والسنة ، وكذا غير ذلك من الأدلة التي سوف نذكرها في هذه الصفحات يثبت أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله هو نفسه أول من اعتمد تلك الحادثة الكبرى كمبدإ للتاريخ ،