قالت : مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولم يوص !
بل قالوا : قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولم يوص ، وقبض أبو بكر وأوصى « 1 » .
ولنا أن نسأل ، فنقول : إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يوص بشيء قطّ ، فكيف ادّعى أبو بكر أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله أوصى بتركته للمسلمين في قوله : ما تركناه صدقة .
وإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وآله قد نهى أن يبيت أحد بلا وصية ، فكيف مات هو صلّى اللّه عليه وآله ولم يوص ؟ !
وإن صحّ أنّه أوصى بتركته للمسلمين ، فلماذا لم يوص بالمسلمين أنفسهم ، بأن يجعل لهم خليفة ، ويعصمهم بذلك من الانقلاب والخلاف ؟ !
والعجب من ابن حزم ، حينما نقل قول أبي بكر ( لا نورث ما تركناه صدقة ) قال : وهذه وصيّة صحيحة بلا شكّ ، لأنّه أوصى بصدقة كلّ ما يترك إذا مات ، وإنّما صحّ الأثر بنفي الوصية التي تدّعيها الرافضة إلى عليّ فقط « 2 » .
أقول : وهذا الكلام ممّا يضحك الثكلى ! وغريب وقوع مثله من ابن حزم ؟
إذ كيف يشفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على أمّته من الفقر ؟ ولا يشفق عليها من الضلال والكفر ، وقد وصفه اللّه تعالى بأنّه
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
أتراه يحرص على الأمّة من الفقر ؟ ولا يحرص عليها من الضلال ؟ امن حرصه أنّه يهديهم إلى اللّه تعالى ويعلّمهم ويزكّيهم ثمّ يدعهم ويتركهم بلا إمام هاد ؟
رابع عشرين : وقفة في إعراب « صدقة » :
ولابدّ أن نقف قليلا حول كلمة ( صدقة ) في حديث أبي بكر ، فإنّ للحركة الإعرابية في هذه الكلمة أثرا بالغا وتحوّلا كبيرا في معنى الحديث ومؤدّاه .
هامش
( 1 ) جامع البيان : 2 / 163 ، التفسير الكبير : 9 / 225 .
( 2 ) المحلّى : 9 / 313 .