- مشيرا إلى تلك العداوة القديمة والحقد الدفين في قلب عائشة - :
« وأمّا فلانة « 1 » فأدركها رأي النساء ، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين « 2 » ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل » « 3 » .
ولم تكن هذه العداوة خالية من الأسباب الداعية لها ، وقد أقرّ بذلك جملة من علماء العامّة ، منهم ابن أبي الحديد المعتزلي ، حيث عقد فصلا خاصّا لا داعي لنقله ، إلّا أنّا نذكر منه اليسير إتماما للفائدة وتأكيدا للحجّة .
قال : وأمّا الضغن : فأوّل بدء الضغن كان بينها - عائشة - وبين فاطمة عليها السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله تزوّجها عقيب موت خديجة فأقامها مقامها ، وفاطمة هي ابنة خديجة ، وأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - كما كان يثني على خديجة ويذكرها بخير ، كذلك كان يصنع بفاطمة عليها السّلام - مال إليها وأحبّها ، وأكرمها إكراما عظيما أكثر ممّا كان الناس يظنّونه وأكثر من إكرام الرجال لبناتهم ، حتّى خرج عن حدّ حبّ الآباء للأولاد ، فقال بمحضر الخاصّ والعام مرارا لا مرّة واحدة ، وفي مقامات مختلفة لا في مقام واحد : « إنّها سيّدة نساء العالمين ، وإنّها عديلة مريم بنت عمران ، وإنّها إذا مرّت في الموقف نادى مناد من جهة العرش : يا أهل الموقف غضّوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّد » وهذا من الأحاديث الصحيحة وليس من الأخبار المستضعفة ، وإنّ إنكاحه عليا إيّاها ما كان إلّا بعد أن أنكحه اللّه تعالى إيّاها في السماء بشهادة الملائكة ، وكم مرّة قال : « يؤذيني ما يؤذيها ، ويغضبني ما يغضبها وإنّها بضعة منّي يريبني ما أرابها » .
هامش
( 1 ) كناية عن عائشة .
( 2 ) المرجل : القدر الكبير ، والقين : الحدّاد ، أي إنّ حقدها يغلي كغليان قدر من حديد .
( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة : 156 .