وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة » « 1 » - « 2 » .
إنّ من كان كذلك لهو أجلّ من أن يحرص على شيء من حطام الدنيا ، وهو القائل « وما أصنع بفدك ، والنفس مظانها في غد جدث . . . » وهو القائل « ما لابن أبي طالب ، ونعمة لا تبقى ، ولذّة تبلى ؟ » .
إنّ هذا الكلام يكشف عن مدى مبلغ زهد الإمام ، وإعراضه عن الدنيا ، وقناعته باليسير منها .
وهل كانت ضياعه التي أوقفها للمسلمين والحجّاج أقلّ دخلا وأهميّة من فدك ؟ !
ولو اطّلعت على صدقاته وإحسانه ، وما أنفقه ، لوجدت العجب العجاب ،
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة القاصعة : 192 .
( 2 ) وقد دلّت الأخبار والروايات أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كفل عليا عليه السّلام منذ صغره ، حتّى قال المؤرخون : إنّ من نعم اللّه على عليّ عليه السّلام أنّ النبي تولّى كفالته في صغره ، كما قال هو عليه السّلام ( وضعني في حجره وأنا صغير ) .
وكان رسول اللّه يغسله بيده الشريفة ، ويحمله على صدره ، ويناغيه في مهده ، ويطعمه بيده ، حتّى روى بعضهم : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يمضغ اللحمة والتمرة حتّى تلين فيجعلها في فم عليّ عليه السّلام وهو صغير ، فكان لرسول اللّه كولده ، قال أحد الصحابة : سألت أبي عن أولاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قلت له : أيّهم كان النبي أشدّ حبّا له ، قال : علي بن أبي طالب .
فقلت : إنّما سألتك عن بنيه ، وعليّ ليس ابنه ، قال لي : إنّ عليا كان أحبّ إلى رسول اللّه من بنيه جميعا ، ما رأيناه فارق النبي منذ أن كان طفلا ، وما رأينا أبا أبرّ بابنه من النبي بعلي ، وما رأينا ابنا أطوع لأبيه من علي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
فعليّ عليه السّلام من حيث النشأة ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ومن حيث النسب ابن عمّه ، ومن حيث المؤاخاة أخوه ، ومن حيث المباهلة نفسه ، ومن حيث المصاهرة صهرة ، ومن حيث المنزلة والولاية خليفته ووزيره ووصيّه ، فلم يبق شيء من الكمالات التي استجمعت في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، إلّا واستجمعت في علي عليه السّلام ، وإليه يشير قوله تعالى :وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ.