وآخره فناء ، وعاجله ذميم وآخره وخيم ، وفي حلاله حساب وفي حرامه عقاب ؛ والدار الآخرة ليس فيها شيء من ذلك ، بل هي غنى وعزّ وراحة كما قال تعالى :
( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى )
« 1 » ، كما قيل : إن كان ترك الدنيا شديد ففوت الجنّة أشدّ ؛ وكما قيل : لو أنّ الدنيا ذهبا يفنى والآخرة عزّا يبقى لكان ينبغي أن تختار الذي يبقى على الذي يفنى ، فكيف والآخرة ذهب يبقى والدنيا خزف يفنى ؟ ! وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ، ومن أحبّ آخرته أضرّ بالدنيا » ؛ فإنّها أولى بالإضرار .
وإنّما قلنا ذلك لأنّ العبادات لا يحصل الإفبال عليها إلّا مع الرغبة في الآخرة ، ولا مع اشتغال بالدنيا « 2 » ، لا تصحّ لهم عبادات ، لأنّها تشغل عنها ، وما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه ، والقلب ليس فيه اثنان بل واحد ، والجمع بينهما من خداع النفس ، ألا ترى أنّ أكثر الأمّة وقعوا في الكبت والضلال وسبب ذلك حبّ الدنيا ، قال اللّه تعالى : « يا ابن آدم ، بقدر ملك الدنيا أخرج محبّتي من قلبك ، فإنّي لا أجمع بين حبّي وحبّ الدنيا في قلب واحد » ، وقال تعالى : « لو يعمل ابن آدم للآخرة كما يعمل للدنيا لأدخلته الجنّة بغير حساب ، ولو يخاف من النار كما يخاف من الفقر لأمنهما جميعا » ، وقال تعالى : « مسكين ابن آدم ، يخاف من الفقر ولا يخاف من النار ، ويسرّه ما يضرّه ، وعنده ما يكفيه وما يطفيه » .
وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة » « 3 » ، ومع كلّ سيّئة وسبب
هامش
( 1 ) الأعلى ( 87 ) : 16 - 17 .
( 2 ) كذا في الأصل ! .
( 3 ) انظر : الكافي 8 : 141 / 103 ، حديث عيسى ابن مريم عليهما السّلام ، ويبدأ الحديث من ص 131 ، وأوّله :