قالت : فانتبهت ، فما لبثت إلّا قدر مسافة الطريق من العراق إلى المدينة للراكب المجدّ المسرع المعجّل ، حتّى قدم عليّ داود ، فسألته عن حاله ؛
فقال : إنّي كنت محبوسا في أضيق حبس ، وأثقل حديد - وفي رواية : وأثقل قيد - إلى يوم النصف من رجب ، فلمّا كان الليل رأيت في منامي كأنّ الأرض قد قبضت لي ، فرأيتك على حصير صلاتك ، وحولك رجال رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض ، يسبّحون اللّه تعالى حولك ؛
فقال لي قائل منهم ، حسن الوجه ، نظيف الثوب ، طيّب الرائحة ، خلته جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبشر يا بن العجوزة الصالحة ، فقد استجاب اللّه لامّك فيك دعاءها » فانتبهت ، ورسل المنصور على الباب ، فأدخلت عليه في جوف الليل ، فأمر بفكّ الحديد عنّي ، والإحسان إليّ ، وأمر لي بعشرة آلاف درهم ، وحملت على نجيب « 1 » وسوّقت بأشدّ السير وأسرعه ، حتّى دخلت المدينة .
قالت أمّ داود : فمضيت به إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام ، فقال : إنّ المنصور رأى أمير المؤمنين عليّا عليه السّلام في المنام ، يقول له : « أطلق ولدي ، وإلّا القيك في النار » ؛ ورأى كأنّ تحت قدميه النار ، فاستيقظ وقد سقط في يديه « 2 » فأطلقك يا داود . « 3 »
هامش
( 1 ) النجيب من الإبل : القويّ الخفيف السريع .
( 2 ) سقط في يديه ، على بناء المجهول : أي ندم ، ومنه قوله تعالىوَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ[ الأعراف : 149 ] . منه ( ره ) .
( 3 ) إقبال الأعمال : 663 ، عنه البحار : 47 / 307 ح 28 .