كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة « 1 » فيهم عمرو بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، وحفص بن سالم « 2 » ، وأناس من رؤسائهم ، وذلك حين قتل الوليد « 3 » ؛
واختلف أهل الشام بينهم ، فتكلّموا فأكثروا ، وخطبوا فأطالوا ؛
فقال لهم أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد عليهما السّلام :
إنّكم قد أكثرتم عليّ فأطلتم ، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم ، فليتكلّم بحجّتكم وليوجز . فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ وأطال ، فكان فيما قال : أن قال :
قتل أهل الشام خليفتهم ، وضرب اللّه بعضهم ببعض ، وتشتّت أمرهم ، فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروّة ، ومعدن للخلافة ، وهو محمّد بن عبد اللّه بن الحسن ، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه ، ثمّ نظهر أمرنا معه ، وندعو الناس إليه ، فمن بايعه كنّا معه ، وكان منّا ، ومن اعتزلنا كففنا عنه ، ومن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغيه ، ونردّه إلى الحقّ وأهله ؛
وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك ، فإنّه لا غنى بنا عن مثلك ، لفضلك وكثرة شيعتك ؛
فلمّا فرغ ، قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : أكلّكم على مثل ما قال عمرو ؟ قالوا : نعم .
فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واحتجّ عليهم بحجج - كما سيأتي في أبواب مناظراته عليه السّلام مع المخالفين ص 506 ح 1 -
هامش
( 1 ) قال ابن منظور في لسان العرب : 11 / 440 :
المعتزلة : قوم من القدريّة يلقّبون بالمعتزلة زعموا أنّهم اعتزلوا فئتي الضلالة عندهم . . .
وذكر في كتاب المقالات والفرق : 4 ، أنّ هؤلاء اعتزلوا عن عليّ عليه السّلام وامتنعوا من محاربته والمحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضا به ، فسمّوا المعتزلة وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد . وذكرهم الشهرستاني في الملل والنحل : 1 / 43 . فراجع .
( 2 ) أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب ، مولى بني عقيل ، ثمّ آل عرادة بن يربوع بن مالك ، كان جدّه « باب » من سبي كابل من جبال السند . ( وفيات الأعيان : 3 / 460 ) .
واصل بن عطاء البليغ الأفوه ، أبو حذيفة المخزومي ، مولاهم البصري الغزّال وقيل : ولاؤه لبني ضبّة ، مولده سنة ثمانين بالمدينة وكان يلثغ بالراء . . . ( سير أعلام النبلاء : 5 / 464 ) .
ولم نعثر على ترجمة لحفص بن سالم المذكور .
( 3 ) المراد به الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، قتل سنة ستّ وعشرين ومائة .