فتقول فاطمة وا كربا لكربك يا أبتاه ، فقال لا كرب على أبيك بعد اليوم .
وجاء في بعض المرويات انه قبيل وفاته وجد نفسه نشيطا وخفت عنه حرارة الحمى ، فخرج معتمدا على علي ( ع ) والفضل بن العباس حتى اتى المسجد ، فأقبل على الناس رافعا صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد ، فقال أيها الناس : سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، واني واللّه ما تمسكون عليّ بشيء ، اني لم أحل إلا ما أحل القرآن ، ولم احرم إلا ما حرم القرآن ، لعن اللّه قوما اتخذوا قبورهم مساجد « 1 » .
ورأى المسلمون في مظهر النبي ما يدعو إلى الارتياح والاطمئنان فاستأذنه أبو بكر بالذهاب إلى السنخ حيث تقيم زوجته بنت خارجة وانصرف عنه جماعة لشؤونهم وهم يظنون أن في هذا النشاط الذي ظهر عليه تماثلا للشفاء وتقدما نحو العافية ، ولكن امر اللّه كان يجري إلى غايته من وراء ما يرجو الأصحاب والمحبون وقد اختار له ربه الدار الآخرة بين اخوته النبيين والمرسلين .
فما رجع من المسجد حتى عاوده الضعف واشتد عليه ، فسمع يقول بل الرفيق الاعلى فعلموا انه اختار لقاء اللّه على الحياة في هذه الدنيا .
وكان علي قد احتضنه حينما رآه يصارع الموت ففاضت نفسه الشريفة
هامش
( 1 ) بناء على صحة الرواية وان الفقرة الأخيرة منها للنبي ( ص ) فلا بد وأن تكون ناظرة لمن يشيدون قبور موتاهم ويتخذونها مساجد بدافع العاطفة أو العصبية ولو لم تكن لهم ميزة يستحقون من اجلها ذلك ، اما الذين يجسدون تعاليم الاسلام والقرآن والأديان الصحيحة بسلوكهم واعمالهم كالأنبياء والأئمة الهداة والصلحاء الأبرار فمن المستبعد جدا ان ينهي النبيّ عن تشييد قبورهم والصلاة للّه فيها إذا كان تشييدها وتعظيمها يرمز إلى النواحي الخيرة الكريمة التي تقترن بأسمائهم وتعبر عن الحق والخير والفضيلة وتكون مثلا كريما للأجيال في كل زمان ومكان .