لقد ناشدهم في مرضه وهو يعاني من آلامه ما لا يطاق ان يكتب لهم كتابا حتى لا يضلوا من بعده كما أجمعت على ذلك كتب الحديث والتاريخ ، فوصفوا كلامه هذا بالهذيان واللغو فيئس منهم واختار الرفيق الأعلى مع اخوانه النبيين والمرسلين ، ولفظ نفسه الأخير وهو على صدر علي ( ع ) يناجيه ويلقنه من اسرار الكون وطبيعة الحياة والناس ألوانا من الأحداث والأزمات .
وروت عائشة انه مات ورأسه في حجرها ، وسواء أكان هذا أم ذاك ، أم كانت وفاته على فراشه ، فلا يوجب ذلك بمجرده فضلا لأحد من الناس ما لم يكن مثلا كريما للرسول في سيرته وأخلاقه وتضحياته .
واتفق المحدثون على أن أبا بكر كان غائبا خارج المدينة حين وفاته ، وان المسلمين حين سمعوا عويل النساء دهشوا لهذا الحادث بعد ان رأوه قبل ساعات قليلة يخرج فيصلي بهم وعلامة الارتياح والشفاء بادية عليه ، فدخل عليه عمر بن الخطاب فكشف عن وجهه وقال : ان رجالا من المنافقين يزعمون بأن محمدا قد مات ، وانه واللّه ما مات ولكنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد ان قالوا بأنه قد مات وو اللّه ليرجعن رسول اللّه ( ص ) كما رجع موسى وليقطعن أيدي وأرجل رجال زعموا انه مات ، ولئن بلغني عن رجل من المسلمين يزعم أن محمدا قد مات ضربته بسيفي هذا ، وخرج على الناس شاهرا سيفه يردد مقالته ويهدد ويتوعد .
وفي رواية ابن سعد وابن كثير في البداية والنهاية ان عمر بن الخطاب دخل هو والمغيرة فكشفا الثوب عن وجهه فقال عمر ما أشد غشي رسول اللّه ، وقال المغيرة : مات واللّه رسول اللّه ، فقال له كذبت ما مات ولكنه ذاهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران .
وخرج إلى الناس وهم بين باك وباكية ، وجعل يصيح بين الناس ان
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة ) — صفحة 700
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٧٠٠