وطردوه وجمعوا له العرب حتى غزوه في دار هجرته ومثلوا بعمه أقبح تمثيل ، ومنعوه قبل عامين من دخول مكة لأداء مناسك الحج ، وفعلوا معه ما لا تبيحه أعراف العرب وعاداتهم . وكان أبو سفيان وزوجته هند من أشد الناس عداوة للّه ورسوله ، ومع ذلك حينما أمكنه اللّه منهم منّ عليهم وامر من ينادي في الناس من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن القى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن . بعد ان أعطاه الرسول هذه الميزة ارضاء لعاطفة الفخر في نفسه ، اخذه العباس إلى المكان الذي عينه له الرسول حيث يمر ذلك الجيش العظيم الذي لم تعهد له مكة نظيرا من قبل .
ولكن أبا سفيان ظن أن النبي أراد به شرا في ذلك المكان لأنه هو مطبوع على الغدر والمكر ، والغادر لا يفكر الا بالغدر والغادرين ، فقال للعباس أغدرا يا بني هاشم ، فرد عليه العباس بقوله : ان أهل النبوة لا يغدرون يا أبا سفيان ، وإنما حبستك لحاجة ، فقال له : فهلا بدأت بها أولا فاعلمتنيها فذاك أقر لروعي وأهدأ لنفسي .
ثم مرت به القبائل والكتائب والرايات يتلو بعضها بعضا ، فأول ما مر به خالد بن الوليد في بني سليم ولهم لواءان يحمل أحدهما العباس بن مرداس والآخر خفاف بن ندب ، وراية يحملها المقداد بن الأسود ، فقال أبو سفيان من هؤلاء يا أبا الفضل ؟ فقال هؤلاء بنو سليم وعليهم خالد بن الوليد فلما حاذى خالد بن الوليد أبا سفيان والعباس كبر ثلاثا وكبروا معه وهكذا اخذت القبائل تمر به الواحدة تلو الأخرى ، وكلما مرت قبيلة بحذائه كبرت ثلاثا وأبو سفيان يسأل عنها والعباس يجيبه ، إلى أن مرت جميع الكتائب ولم يبق الا الكتيبة التي فيها رسول اللّه ( ص ) .
فلما أطلت كتيبة رسول اللّه أطلت وسط سواد شديد وغبرة من سنابك الخيل وجعل الناس يمرون وأبو سفيان يقول للعباس : اما مر محمد بعد ، والعباس يقول له لا . وفيما هم كذلك وأبو سفيان يهزه الحقد والبغض وإذا
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة ) — صفحة 583
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٥٨٣