سلوك سلمان وأبي ذرّ رضي اللّه عنهما
فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له : يا أبا عبد اللّه أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غدا ؟
فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت ، أما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة يجز لهم الجزور أو الشاة على قدر ما يحتاجون من اللحم فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم ويؤثرون على أنفسهم وعيالاتهم .
واعلموا أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه عليهم السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله قال يوما : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن إن قرض جسده في دار الدّنيا بالمقاريض كان خيرا له وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له وكلّ ما يصنع اللّه عزّ وجلّ به فهو خير له ، فليت شعري هل يحق فيكم ما قد شرحت لكم أم أزيدكم .
أما علمتم أنّ اللّه عزّ وجلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من الكافرين ليس له أن يولّي وجهه عنهم ومن وليهم يومئذ دبره فقد تبوء مقعده من النار ثمّ حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من اللّه عزّ وجلّ للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة ، وأخبروني أيضا عن القضاء أجوره هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال : إنّي زاهد وإنّي لا شيء لي فإن قلتم جورة ظللكم أهل الإسلام ، وإن قلتم بل عدول خصمتم أنفسكم وحيث يردون صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث . أخبروني لو كان الناس كلّهم زهادا كالذين تريدون لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى من كان يصدّق بكفّارات الايمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضّة والتمر والزبيب وسائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك إذا كان الأمر كما تقولون لا ينبغي لأحد أن