وَيَتِيماً وَأَسِيراً
« 1 » فنحن نكتفي بهذا ، فقال رجل من الجلساء : إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتّى تتمتّعوا أنتم منها ، فقال عليه السّلام :
دعوا عنكم ما لا ينتفع به أخبروني ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه الذي في مثله هلك من هلك من هذه الامّة ؟
قالوا : وبعضه ، فأمّا كلّه فلا ، فقال لهم : فمن هاهنا أتيتم وكذلك أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فأمّا ما ذكرتم من اخبار اللّه أمانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحا جائزا ولم يكونوا نهوا عنه وثوابهم منه على اللّه عزّ وجلّ ، وذلك أنّ اللّه سبحانه أمر بخلاف ما عملوا فصار أمره ناسخا لفعلهم وكان نهي اللّه تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين لئلا يضرّوا بأنفسهم وعيالاتهم منهما لضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لا يبصرون على الجوع فإن تصدّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعا فمن ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، خمس ثمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه ثمّ الثانية على نفسه وعياله ثمّ الثالثة على قرابته الفقراء ثمّ الرابعة على جيرانه الفقراء ثمّ الخامسة في سبيل اللّه وهو أخسّها أجر ، وقال صلّى اللّه عليه واله للأنصاري حين اعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنوه مع المسلمين يترك صبية صغارا يتكفّفون الناس .
ثمّ قال : حدّثني أبي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ابدأ بمن تعول الأدنى فالأدنى ثمّ هنا ما نطق به الكتاب ردّا لقولكم ونهيا عنه مفروضا من العزيز الحكيم قال :
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
أفلا ترون أنّ اللّه تبارك وتعالى قال غير ما أريكم تدعون الناس إليه من الإثرة على أنفسهم وسمّى من فعل ما تدعون إليه مسرفا ، وفي غير آية من كتاب اللّه يقول
( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )
فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن التقتير ولكن أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده ثمّ يدعو اللّه أن يرزقه فلا يستجيب له « 2 » .
هامش
( 1 ) - سورة الإنسان : 8 .
( 2 ) - الكافي : 5 / 66 ، وبحار الأنوار : 47 / 234 .