لا تكرهوا العبادة إلى أنفسكم
الثاني : إنّه يكره العبادة إلى النفس ورد في الحديث : لا تكرهوا العبادة إلى أنفسكم ، لأنّ الانهماك في الأمر والمبالغة فيه يدعو إلى [ الملل ] وما يدعو إلى [ الملل ] يكون مكروها وإذا فعل يكون على وجه التكلّف لا على وجه الإقبال ، ومن ثمّ قال سيّد الموحّدين أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه : إنّ للقلوب إقبالا وإدبارا فإذا أقبلت فأقبلوا على النوافل وإذا أدبرت فدعوها .
وكان الصادق عليه السّلام إذا عرض له الهمّ أو الغمّ ترك النوافل ، وذلك لما قلناه .
وجاء في الأخبار ضروب العبادات والأدعية المأثورة في وقت لا يتّسع لها والسبب فيه يرجع إلى هذا ، وذلك إنّ رغبة الخلائق وطباعهم في الميل إلى فنون العبادات مختلف فيكون كلّ من يحبّ عبادة ويميل إليها يفعلها حتّى تكون الطاعات قد أتى بها على وجه الرغبة إليها « 1 » .
وجاء في نوادر الأخبار قوله عليه السّلام : اخش اللّه خشية ليست بتعذير ، يعني إنّه إذا أتى أحد بفعل وطاعة من باب الخوف فهي خشية تعذير وخشية كراهة فإن رضي به فهي خشية رضاء وخشية محبّة . وحاصل المعنى : أنّه لا يكون خوفك من اللّه عذرا من أمره بالخشية بل يكون من باب التعظيم والرضا واستحقاقه للخشية فيرجع إلى قوله عليه السّلام : ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنّتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك « 2 » .
وقوله عليه السّلام : لو لم يخلق جنّة ولا نارا أما كان يستحقّ العبادة ، وينبغي أن يعلم أنّ الأصل في الطاعات التي يستحقّ بها دخول الجنّة هو إيقاع العبادة على وجه الإخلاص والمحبّة لا التكثّر من العبادة كما ورد أنّه لمّا نزل قوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً
هامش
( 1 ) - شرح أصول الكافي : 9 / 298 ح 17 ، وبحار الأنوار : 69 / 293 .
( 2 ) - مستدرك الوسائل : 7 / 258 ح 6 ، وشرح الأخبار : 2 / 346 .