واللّه لا يقتلك ولا يقتلني ولا يأتي عليك إلّا قليل حتّى تلي البصرة ، فقال ميثم للمختار : وأنت تخرج ثائرا بدم الحسين فتقتل هذا الذي يريد قتلنا وتطأ بقدميك على وجنتيه ، ولم يزل ذلك يتردّد في صدره حتّى قتل الحسين عليه السّلام فكتب المختار إلى أخته صفية وكانت زوجة عبد اللّه بن عمر تسأله مكاتبة يزيد بن معاوية فكتب إليه ، فقال يزيد : تشفع أبا عبد الرحمن وكلّمته هند بنت أبي سفيان في عبد اللّه بن الحارث وهي خالته ، فكتب إلى عبيد اللّه فأطلقهما بعد أن أجّل المختار ثلاثة أيّام ليخرج من الكوفة وإن تأخّر عنها ضرب عنقه ، فخرج هاربا نحو الحجاز حتّى إذا صار بواقصة لقيه ابن زهير فقال : ما لي أرى عينك ؟
قال : فعل ذلك بي ابن زياد قتلني اللّه إن لم أقتله وأقطع أعضاؤه ولأقتلنّ بالحسين عدد الذين قتلوا بيحيى بن زكريا وهم سبعون ألفا .
ثمّ قال : والذي أنزل القرآن وكره العصيان لأقتلن العصاة أزد عمان ومذحج وهمدان ومهد وخولان وبكر وهران وقبائل قيس غيلان غضبا لابن بنت نبي الرحمن ، فلم يزل على ذلك حتّى مات يزيد وخلف أحد عشر ولدا وعمره ثمان وثلاثون سنة ومدّة خلافته سنتان وثمانية أشهر ولمّا خلع معاوية نفسه عن الخلافة بويع في تلك السنة لعبد اللّه بن الزبير بالحجاز ولمروان بن الحكم بالشام ولعبيد اللّه بن زياد بالبصرة .
وأمّا أهل العراق فإنّهم وقعوا في الأسف على ترك نصرة الحسين عليه السّلام وكان عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي من أشراف أهل الكوفة وقد ندبه الحسين إلى الخروج معه ، فلم يفعل ثمّ تداخله الندم فقال ، شعر :
فيالك حسرة ما دمت حيّا * تردّد بين حلقي والتراقي
غداة حسين يطلب بذل نصري * على أهل الضلالة والشقاق
غداة يقول لي بالقصر قولا * أتتركنا وتزمع بالفراق
ولو أنّي أواسيه بنفسي * لنلت كرامة يوم التلاق
مع ابن المصطفى نفسي فداه * تولّى ثمّ ودّع بانطلاق
فلو فلق التلهّف قلب حيّ * لهم اليوم قلبي بانفلاق
فقد فاز الأولى نصروا حسينا * وخاب الآخرون إلى النفاق