عليهم الغارة ، فلمّا قرب منهم قال الأعرابي : كم بيننا وبين القوم ؟
قال : ميل ومن ورائهم الحصين بن نمير في أربعة آلاف ومن ورائهم الصلت في أربعة آلاف وجمهور العسكر مع ابن زياد ، فساروا حتّى أشرفوا على عسكر الشام ، فقال المسيب لأصحابه : كرّوا عليهم ، فحمل عليهم عسكر العراق فانهزموا وقتل منهم خلق كثير وغنموا منهم غنيمة عظيمة ورجعوا إلى سليمان ووصل الخبر إلى ابن زياد ، فسرّح إليهم الحصين بن نمير في عشرين ألفا وعسكر العراق ثلاثة آلاف ومائة فحمل عليهم عسكر العراق فهزموهم وظفروا بهم وحجز الليل بينهم ثمّ قاتلوهم ثلاثة أيّام فأمر الحصين أهل الشام برمي النبل فجاءت السهام كالشرار المتطاير فقتل سليمان رحمه اللّه .
ثمّ أخذ الراية المسيّب فقاتل قتالا خرّت له الأذقان ثلاث مرّات ، فلم يزل يكرّ عليهم فيفرّون حتّى تكاثروا عليه فقتلوه ثمّ أخذ الراية عبد اللّه بن سعد وقاتل أشدّ قتال حتّى قتل وتقدّم عبد اللّه بن وال فقاتل حتّى قطعت يده اليسرى ، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم العسكر من البصرة ومن المدائن فاشتدّت قلوب أهل العراق واجتمعوا وكبّروا واشتدّ القتال حتّى بان في أهل العراق الضعف والذلّة وتحدّثوا في ترك القتال ، ثمّ عاد أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل المدائن إلى بلادهم والمختار محبوس فكتب إلى أصحاب سليمان :
أمّا بعد ، فإنّ اللّه عظّم لكم الأجر وحطّ عنكم الوزر وانّي لو خرجت إليكم جرّدت فيما بين المشرق والمغرب من عدوّكم بالسيف بإذن اللّه إلى آخر الكتاب ، فوقف عليه جماعة من رؤساء القبائل وفرحوا به وكتبوا إليه : إن شئت أن نأتيك حتّى نخرجك من الحبس ، فكتب إليهم : إنّي أخرج في أيّامي هذه ، وقد كان المختار بعث إلى عبد اللّه بن عمر بأن يكتب إلى عبد اللّه بن يزيد وإبراهيم بن محمّد بالخلاص من أيديهما ، فكتب ابن عمر إليهما بخلاص المختار فطلبوا منه كفلاء بأن لا يخرج عليهم وحلّفاه فإن هو خرج فعليه ألف بدنة ينحرها عند باب الكعبة ومماليكه أحرار ، فخرج وجاء إلى داره وقال : قاتلهم اللّه ما أجهلهم حيث يرون أنّي أفي لهم بأيماني هذه ، أمّا الحلف فتركه إلى ما هو خير منه جائز ، وأمّا هدي ألف بدنة فهو هيّن عليّ ، وأمّا عتق مماليكي ، فإذا أخذت الثأر وددت أنّي لا أملك مملوكا أبدا ، ولمّا استقرّ في داره اختلفت الشيعة إليه .
رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار ( ع ) — صفحة 297
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص٢٩٧