عليهم نساء تلك القرى وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد « 1 » .
وعن أبي حبّاب الكلبي قال : حدّثنا الجصّاصون قالوا : كنّا نخرج إلى الجبّانة في الليل عند مقتل الحسين عليه السّلام فنسمع الجنّ ينوحون عليه فيقولون ، شعر :
مسح الرسول جبينه فله بريق في الخدود * أبواه من عليا قريش جدّه خير الجدود
فانفصلوا من العراق إلى المدينة ، فلمّا قرب عليّ بن الحسين عليه السّلام من المدينة ضرب فسطاطه ونزل وقال : يا بشير رحم اللّه أباك لقد كان شاعرا ، فهل تقدر على شيء منه ؟
قلت : بلى إنّي شاعر ، قال : فادخل المدينة وانع أبا عبد اللّه ، قال : فدخلت المدينة راكبا ، فلمّا بلغت مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم رفعت صوتي بالبكاء وقلت شعر :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار
الجسم منه بكربلا مضرّج * والرأس منه على القناة يدار
ثمّ قلت : هذا عليّ بن الحسين مع نسائه نزلوا بساحتكم وأنا رسوله إليكم أخبركم بقدومه ، فما بقيت في المدينة مخدّرة إلّا برزن من خدورهنّ مكشوفة شعورهنّ مخمّشة وجوههنّ ضاربات خدودهنّ ، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم وسمعت جارية تنوح على الحسين وتقول ، شعر :
نعى سيّدي ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا
فعيناي جودا بالدموع واسكبا * وجودا بدمع بعد دمعكما معا
على من دعى عرش الجليل فأفزعا * فأصبح هذا المجد والدّين أجدعا
على ابن نبيّ اللّه وابن وصيّه * وإن كان عنّا شاحط الدار شسعا
فخرج الناس من المدينة إلى عليّ بن الحسين ، فأتيت إليه وهو داخل الفسطاط فخرج يبكي وارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، فأشار إلى الناس بالسكوت . ثمّ خطب وقال في خطبته : أيّها الناس إنّ للّه وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة ؛ قتل أبو عبد اللّه وعترته وسبي نساؤه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان ، فأيّ عين منكم تحبس دمعها عن انهمالها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها
هامش
( 1 ) - العوالم : 446 ، ووفيات الأئمة : 461 .