فضّة قد خلصت من ذهب * فأنا الفضّة وابن الذهبين
من له جدّ كجدّي في الورى * أو كشيخي فأنا ابن العلمين
فاطم الزهراء امّي وأبي * قاصم الكفر ببدر وحنين
عبد اللّه غلاما يافعا * وقريش يعبدون الوثنين
فأبي شمس وامّي قمر * فأنا الكوكب وابن القمرين
ثمّ وقف قبالة القوم ولم يزل يقتل كلّ من دنى منه حتّى قتل مقتلة عظيمة ، قال بعضهم :
واللّه ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته أربط جأشا منه ، وإنّه كان يشدّ على الرجال فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، ولقد كان فيهم وقد تكملوا ثلاثين ألفا فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، ولم يزل يقاتل حتّى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلا سوى المجروحين .
فقال ابن سعد : الويل لكم أتدرون من تقاتلون ؟ هذا ابن الأنزع البطين هذا ابن قتّال العرب ، فاحملوا عليه من كلّ جانب . وكان الرّماة أربعة آلاف فرموه بالسّهام وحالوا بينه وبين رحله فكشفهم ثمّ أخذه العطش فأقحم فرسه الفرات فقال للفرس : أنا عطشان وأنت عطشان واللّه لا ذقت الماء حتّى تشرب ، فلمّا سمع الفرس كلام الحسين رفع رأسه ولم يشرب كأنّه فهم الكلام فقال الحسين عليه السّلام : اشرب فأنا أشرب فمدّ الحسين عليه السّلام يده فغرف من الماء فقال فارس : يا أبا عبد اللّه تتلذّذ بشرب الماء وقد هتكت خيمة حرمك ، فنفض الماء من يده وحمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة .
ثمّ رماه رجل من القوم يقال له أبا الحتوف بسهم وقع في جبهته ، فنزعه فسال الدم على وجهه ولحيته فقال : اللّهم إنّك ترى ما أنا فيه من هؤلاء العصاة ، اللّهم لا تذر على وجه الأرض منهم أحدا ولا تغفر لهم ، أبدا ثمّ حمل عليهم كاللّيث المغضب والسهام تأخذه من كلّ ناحية وهو يتّقيها بنحره وصدره وهو يقول : يا امّة السوء أمّا انّكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد اللّه فتهابوا قتله بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي ، وأيم اللّه إنّي لأرجو أن يكرمني ربّي بالشهادة ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ولم يزل يقاتل حتّى أصابته اثنتان وسبعون جراحة ما بين طعنة وضربة وقيل ألف وتسعمائة جراحة .