فقال : بل أرد على جدّي وأسكن معه في داره وأشرب من ماء غير آسن وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي ، فاحتزّوا رأسه وهو يكلّمهم فتعجّبت من قلّة رحمهم .
فقلت : واللّه لا أجامعكم على أمر أبدا ، ثمّ أقبلوا على سلب الحسين ، فأخذ قميصه إسحاق الحضرمي فلبسه فصار أبرص ، وأخذ سراويله بحر بن كعب ثمّ صار زمنا مقعدا ، وأخذ عمامته خنس بن علقمة فاعتمّ بها فصار مجنونا مجذوما ، وأخذ درعه مالك الكندي فصار معتوها ، وأخذ نعليه الأسود بن خالد وأخذ خاتمه بجدل الكلبي فقطع إصبعه عليه السّلام مع الخاتم وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه وتشحّط بدمه حتّى مات وأخذ قطيفة له من خزّ قيس بن الأشعث ، وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد وأخذ سيفه جميع الأزدي وهذا السيف المنهوب ليس بذي الفقار ، وأنّ ذلك كان مذخورا مع أمثاله من ذخائر النبوّة والإمامة . وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول حتّى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها « 1 » .
وروى حميد بن مسلم قال : رأيت امرأة من بكر بن وائل كانت مع زوجها في أصحاب عمر بن سعد ، فلمّا رأت القوم قد اقتحموا على نساء الحسين فسطاطهنّ وهم يسلبونهنّ أخذت سيفا وأقبلت نحو الفسطاط وقالت : يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول اللّه لا حكم إلّا للّه يا ثارات رسول اللّه ، فأخذها زوجها وردّها إلى رحله ثمّ أخرجوا النساء من الخيمة وأشعلوا فيها النار فخرجن مسلبات حافيات باكيات يمشين سبايا في أسر الذلّة ، وقلن : بحقّ اللّه الّا ما مررتم بنا على مصرع الحسين ، وتنادى بصوت حزين : وا محمّداه هذا حسين مرمّل بالدّماء مقطّع الأعضاء وبناتك سبايا إلى اللّه المشتكى وإلى محمّد المصطفى وآل عليّ المرتضى ، هذا حسين بالعراء يسفى عليه الصبا اليوم مات جدّي رسول اللّه يا حزناه يا كرباه يا أصحاب محمّد هؤلاء ذرّية المصطفى يساقون سوق السبايا وهذا حسين محزوز الرأس من القفا ، بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا بأبي من فسطاطه مقطع العرى بأبي من لا هو غائب فيرجى ولا جريح فيداوى بأبي المهموم حتّى قضا ، بأبي العطشان حتّى مضى ، بأبي من شيبته تقطر بالدماء ، فأبكت كلّ عدوّ وصديق ثمّ إنّ سكينة اعتنقت جسد الحسين عليه السّلام فاجتمع عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه .
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار : 45 / 58 ، والعوالم : 302 .