يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا ، فرجع إلى القتال حتّى قتل تمام المائتين ثمّ ضربه ملعون على مفرق رأسه وضربه الناس بأسيافهم ، فلمّا بلغت الروح التراقي نادى : يا أبتاه هذا جدّي رسول اللّه قد سقاني بكأسه الأوفى وهو يقول : العجل العجل فإنّ لك كأسا مذخورة فصاح الحسين : لعن اللّه قوما قتلوك على الدّنيا بعدك العفا .
قال حميد بن مسلم : فكأنّي أنظر إلى امرأة كأنّها الشمس خرجت مسرعة تنادي : يا نور عيناه ، فقيل : هي زينب بنت علي فجاءت وانكبّت عليه فردّها الحسين عليه السّلام إلى الفسطاط وحملوه إلى قتلاهم .
قال أبو الفرج : عليّ بن الحسين هذا هو الأكبر ولا عقب له ويكنّى أبا الحسن وامّه ليلى بنت أبي مرّة وهو أوّل من قتل في الوقعة .
ثمّ قالوا : وخرج من تلك الأبنية غلام وفي اذنيه درّتان وهو مذعور يلتفت يمينا وشمالا وقرطاه تذبذبان ، فحمل عليه هاني بن بعيث لعنه اللّه فقتله فصارت شهربانو تنظر إليه ولا تتكلّم كالمدهوشة ثمّ التفت الحسين عليه السّلام يمينا وشمالا فلم ير أحدا من الرجال ، فخرج عليّ ابن الحسين زين العابدين وكان مريضا فقال الحسين : يا امّ كلثوم خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّد وتقدّم الحسين إلى باب الخيمة فقال : ناولوني ابني عليّا الطفل حتّى أودّعه .
وقال المفيد : دعى ابنه عبد اللّه فجعل يقبّله والصبي في حجره إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه ، فتلقّى الحسين عليه السّلام دمه حتّى امتلأت كفّه . ثمّ رمى به إلى السماء ولم يسقط قطرة إلى الأرض ثمّ نظر الحسين إلى اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته صرعى ، فنادى : يا سكينة يا فاطمة يا زينب يا امّ كلثوم عليكنّ منّي السلام ، فنادته سكينة : يا أبه استسلمت للموت .
قال : كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين فقالت : يا أبه ردّنا إلى حرم جدّنا فقال :
هيهات لو ترك القطا لنام ، فتصارخن النساء ثمّ ركب الحسين عليه السّلام فرسه وبرز إلى القوم وهو يقول ، شعر :
خيرة اللّه من الخلق أبي * ثمّ امّي فأنا ابن الخيرتين