بدأهم بذلك العبّاس .
ثمّ قام إليه ابن عوسجة فقال : لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولو علمت أنّي اقتل ثمّ أحيا ثمّ احرق ثمّ أحيا ثمّ اذرّى يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها ، وتكلّموا مثل كلامه فجزاهم الحسين عليه السّلام خيرا وانصرف إلى منزله .
وقيل لبشر بن محمد الحضرمي في تلك الحال : قد أسر ابنك بثغر الريّ ، فقال : عند اللّه أحتسبه ونفسي فسمع الحسين عليه السّلام قوله فقال له : أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال : أكلتني السباع حيّا إن فارقتك فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار لفكاك ابنه وبات الحسين عليه السّلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد .
فلمّا كان الغداة أمر الحسين عليه السّلام بفسطاط فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير ، فجعل فيها نورة ثمّ دخل ليطلي وأصحابه بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن الأنصاري ، فقال له عبد الرحمن : ما هذه ساعة ضحك ، فقال : إنّما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه ، فو اللّه ما هو إلّا نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثمّ نعانق الحور العين .
وقال عليّ بن الحسين عليه السّلام : إنّي جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها فدخل أبي في خباء له يعالج سيفه ويصلحه ويقول شعر :
يا دهر أف لك من خليل * كم لك في الإشراق والأصيل
من طالب وصاحب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل
وإنّما الأمر إلى الجليل * وكلّ حيّ سالك سبيلي
فعلمت ما أراد فخنقتني العبرة وعلمت أنّ البلاء قد نزل ، وأمّا عمّتي زينب فلم تملك نفسها فمشت تجرّ ثوبها حتّى انتهت إليه وقالت : وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت امّي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي فقال لها : يا أختاه لا يذهبن حلمك الشيطان وترقرقت عيناه بالدموع وقال : لو ترك القطا لنام ، فقالت : يا ويلتاه تغصب نفسك اغتصابا ، ثمّ لطمت وجهها وشقّت جيبها وخرّت مغشيّة عليها فصبّ