فقال هارون : أفعل ذلك يا أبا الحسن ، وكرامة .
فقال له الامام : إن اللّه عز وجل قد فرض على ولاة العهد أن ينعشوا فقراء الأمة ، ويقضوا على الغارمين ، ويؤدوا عن المثقل ويكسوا العاري ، وأنت أولى من يفعل ذلك .
قال هارون : أفعل ذلك يا أبا الحسن .
ثم انصرف الإمام ( ع ) فقام هارون تكريما له فقبل ما بين عينيه ووجهه ثم التفت إلى أولاده فقال لهم : قوموا بين يدي عمكم وسيدكم ، وخذوا بركابه وسووا عليه ثيابه وشيعوه إلى منزله ، فانطلقوا مع الامام بخدمته وأسر ( ع ) إلى المأمون فبشره بالخلافة وأوصاه بالاحسان إلى ولده ، ولما فرغوا من القيام بخدمة الامام وإيصاله إلى داره ، قال المأمون : كنت أجرأ ولد أبي عليه ، فلما خلا المجلس قلت له :
« يا أمير المؤمنين ، من هذا الرجل ؟ الذي عظمته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس ، وجلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له » .
قال هارون : هذا امام الناس وحجة اللّه على خلقه وخليفته على عباده قال المأمون : يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك ؟
قال هارون : أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر وموسى بن جعفر إمام حق ، واللّه يا بني : إنه لأحق بمقام رسول اللّه ( ص ) مني ومن الخلق جميعا وو اللّه لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عينيك فان الملك عقيم .
وبقي هارون في يثرب مدة من الأيام ، فلما أزمع على الرحيل منها أمر للامام بصلة ضئيلة قدرها مائتا دينار ، وأوصى الفضل بن الربيع أن يعتذر له عند الامام ، فانبرى إليه المأمون وهو مستغرب من قلة صلته مع
حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع ) — صفحة 446
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٤٤٦