ولما قتل المأمون وزيره الفضل بن سهل ، عرض الوزارة على أحمد ابن أبي خالد فأبى أن يقبلها وقال : « لم أر أحدا تعرض للوزارة وسلمت حاله » « 1 » . والسبب في ذلك أن الحكم لم يكن جاريا على قانون أو دستور معين ، بل كان كيفيا حسب ما يتفق مع ميول الخليفة ، فهو يوزع الموت والحياة على من كره وأحب .
وكانت الأحكام بالاعدام تصدر من البلاط بالجملة بمجرد الوشاية ، من غير أن يطمئن أو يوثق بقول المخبر بذلك . فقد وشي برجل يقال له ( الفضيل بن عمران ) إلى أبي جعفر المنصور ، وكان كاتبا لابنه جعفر ووليا لأمره ، فقد وشى به أنه يعبث بجعفر ، فبعث المنصور برجلين ، وأمرهما بقتل الفضيل حيث وجداه ، وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به وقال للرجلين : لا تدفعا الكتاب إلى جعفر حتى تفرغا من قتله . فلما انتهيا إليه ضربا عنقه ، وكان الفضيل عفيفا صالحا ، فقيل للمنصور إنه أبرأ الناس مما رمي به ، وقد عجلت عليه ، فندم على ذلك ، ووجه رسولا ، وجعل له عشرة آلاف درهم إن ادركه قبل أن يقتل ، فقدم الرسول فوجده جثة هامدة ، فاستنكر جعفر ذلك ، وقال لمولاه :
« ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل ، عفيف ، دين ، مسلم بلا جرم ولا جناية ؟ ! ! » فأجابه سويد :
« هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء ، وهو أعلم بما يصنع » .
وهكذا كانت أرواح الناس ودماؤهم يتصرفون فيها حسب ما شاءوا ، فالملك يفعل ما يصنع فهو ظل اللّه في الأرض لا يسأل عن ذنب ولا جرم .
لقد كانت البلاد الاسلامية أيام الحكم العباسي ترزح تحت كابوس
هامش
( 1 ) طيفور : ص 215 .