يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عاليه * يرجون رفدك كي يروا مما لقوه العافية
من مصيبات جوّع تمسي وتصبح طاويه * من للبطون الجائعات وللجسوم العارية
ألقيت أخبارا إليك من الرعية شافيه
هذه هي الحالة الاجتماعية السائدة في عصر هارون ، الملايين من الشعب تعرى وتجوع ، بينما قد زخرت خزائن بغداد بأموال المواطنين ، غير أنها لم تكن إلا للخلفاء وأبنائهم ووزرائهم والمقربين عندهم من الظلمة والماجنين والمخنثين ، واما الذين لا يمرغون جباههم على أعتاب الولاة فهم في فقر وبؤس ، ولندع الحديث إلى أبي العتاهية يصور لنا بوضوح ما يتمناه في ذلك العصر الذهبي الذي اصطلح المؤرخون على تسميته بذلك ، فيقول :
رغيف خبز يابس * تأكله في زاويه
وغرفة ضيقة * نفسك فيها خاليه
أو مسجد بمعزل * عن الورى في ناحية
خير من الساعات في * فيء القصور العالية
فهذه وصية * مخبرة بحاليه
طوبى لمن يسمعها * تلك لعمري كافيه
فاسمع لنصح مشفق * يدعى ابا العتاهية
إن هذا اليأس والتشاؤم ، وهذه الآلام التي رددها شاعر المجتمع العباسي كانت من نتائج فساد الحكم القائم ومن مساوئ سلطانهم ، فقد قضت سياستهم الملتوية بإشاعة الحرمان والفقر بين الناس ، ونشر الثروة عند طبقة خاصة أسرفت في التفنن في أنواع الملذات ، فكانوا يزينون مجالسهم