لقد قام المهدي بحملة واسعة النطاق ضد الزنادقة ، فأنشأ ديوانا خاصا بهم ، وقد اجتهدت سلطات الأمن والمباحث في التفتيش عنهم فمن ظفروا به نفذوا فيه حكم الاعدام إلا أن يعلن التوبة ويثوب إلى الرشاد ، ولم يكتف المهدي بذلك ، وانما قام بنفسه يجوب في الأقطار للتفتيش عنهم ، فرحل إلى بلاد الشام ، وأقام بها يبحث عنهم ، فعلم أن جماعة منهم قد هربوا من العراق إلى حلب فأمر بالقاء القبض عليهم ، وسوقهم إلى المحاكم ، وبعد القاء القبض عليهم ثبت اتهامهم بالزندقة فأمر باعدامهم جميعا « 1 » .
لقد أمعن المهدي في تتبع الزنادقة ، وقتلهم يقول السيوطي : « وجد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم ، والبحث عنهم في الآفاق ، والقتل على التهمة » « 2 » ولما حضرته الوفاة عهد إلى ولده الهادي في قتلهم ، وقد أوصاه بهذه الوصية :
« يا بني ، إن صار لك هذا الأمر فتجرد لهذه العصابة - اي الزنادقة - فإنها فرقة تدعوا الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش ، والزهد في الدنيا ، والعمل للآخرة ، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ، ومس الماء الطهور وترك قتل الهوام تحرجا وتحوبا ، ثم تخرجها من هذا إلى عبادة اثنين :
أحدهما النور ، والآخر الظلمة ، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول ، وسرقة الأطفال من الطريق ، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور فارفع فيها الخشب ، وجرد فيها السيف ، وتقرب بأمرها إلى اللّه الذي لا شريك له . فاني رأيت جدك العباس في المنام قلدني سيفين ، وأمرني بقتل أصحاب الاثنين . . » « 3 »
هامش
( 1 ) الأغاني 6 / 67
( 2 ) تأريخ الخلفاء : ص 273
( 3 ) الطبري 6 / 388