وحكمة الهند ، ومنطق اليونان وفلسفتهم ، وصناعة الصين وفنونها ، وترف فارس وحضارتها ، والعرب أقل الأمم شأنا في ذلك فليس لهم فخر يذكر ولا مجد يباهى به ، وأما تمشدقهم وفخرهم بالاسلام فليس هو دين العرب وحدهم بل هو دين الناس جميعا والاسلام نفسه قد حارب النزعات الجاهلية وقبر أفكارها وحطم امتيازاتها واعتبر المسلمين جميعا صفا واحدا لا امتياز لأحد منهم على أحد ، وجعل المقياس في التفوق والفضل التقوى والعمل الصالح ، قال تعالى : «
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
» .
وقد ألفت كتب كثيرة في ذكر مثالبهم والازدراء بهم فقد كتب في ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى عدة كتب منها : « لصوص العرب » و « أدعياء العرب » و « فضائل الفرس » ، وكتب الهيثم بن عدي جملة كتب في هذا الموضوع منها كتاب : « المثالب الكبير » وكتاب « مثالب ربيعة » وأسماء بغايا قريش في الجاهلية وأسماء من ولدن ، وألف سعيد بن حميد البختكان كتاب « انتصاف العجم من العرب » وكتاب « فضل العجم على العرب وافتخارها » « 1 » .
لقد شاعت الحزازات وانتشر التنافر بين المسلمين في ذلك العصر فكان شعراء الموالي الذين أصلهم من فارس يعتزون بقوميتهم ويبالغون في الحط من كرامة العرب فهذا أبو نواس الذي كان فارسيا من ناحية أمه راح يهجو العرب ويقول فيهم :
عاج الشقي على رسم يسائله * وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضنين من أسد * لا در درك ! ! قل من بنو أسد ؟
ومن تميم ؟ ومن قيس ولفهما ؟ * ليس الأعاريب عند اللّه من أحد
وتحدث مرة أخرى في شعره عن ظاهرة من ظواهر العرب وهي
هامش
( 1 ) فهرست ابن النديم : ص 123 .