يقرب أحد منك إلا بالتقرب به « 1 » ثم اتبعت ذلك بالإنابة إليك ، والتذلل والاستكانة « 2 » لك وحسن الظن بك ، والثقة بما عندك ، وشفعته برجائك الذي قل ما يخيب عليه راجيك ، وسألتك مسألة الحقير الذليل ، البائس الفقير ، الخائف المستجير ، ومع ذلك خيفة وتضرعا وتعوذا « 3 » وتلوذا ، لا مستطيلا بتكبر المتكبرين ، ولا متعاليا بدالة المطيعين ، ولا مستطيلا بشفاعة الشافعين ، وأنا بعد أقل الأقلين ، وأذل الأذلين ، ومثل الذرة أو دونها . . . » .
واعرب الإمام عليه السلام في هذا المقطع من دعائه عن تعظيمه وتقديسه ليوم عرفة الذي هو من أجل أيام اللّه ، فقد نشر فيه تعالى رحمته ، وتفضل على حجاج بيته الحرام بالعفو والغفران ، كما ابدى عليه السلام تذلّله وعبوديته المطلقة للّه معترفا بتقصيره ، واثقا بلطفه ، راجيا منه العفو ، مقدما له الاعتراف بتوحيده ونفي الأضداد ، والأنداد عنه ، سالكا من الأبواب التي أمر تعالى أن يؤتى منها وهي أبواب الأئمة الطاهرين ، وفي هذا درس للمقصرين ، والمبتعدين عن اللّه تعالى أن ينهجوا هذا المنهج لينقذوا أنفسهم ، من عذاب اللّه في الدار الآخرة ، ولنعد إلى الاستماع إلى قطعة أخرى من هذا الدعاء الشريف :
« فيا من لم يعاجل المسيئين ، ولا ينده « 4 » المترفين ، ويا من يمن بإقالة العاثرين ، ويتفضل بانظار الخاطئين ، أنا الذي اقدم عليك مجترئا ، أنا الذي عصاك متعمدا ، أنا الذي استخفى من عبادك وبارزك ، أنا الذي هاب عبادك ، وامنك ، أنا الذي لم يرهب سطوتك ، ولم يخف بأسك ، أنا الجاني على نفسه ، أنا المرتهن ببليته ، أنا القليل الحياء أنا الطويل العناء ، بحق من انتجبت من خلقك ، وبمن اصطفيته لنفسك ، بحق من اخترت من بريتك ، ومن اجتبيت لشأنك « 5 » بحق من وصلت طاعته بطاعتك ، ومن
هامش
( 1 ) المراد أن اللّه تعالى لا يقبل التقرب إليه إلا من طريق الأئمة عليهم السلام .
( 2 ) الاستكانة : التضرع .
( 3 ) التعوذ : الاستجارة .
( 4 ) ينده : أي يمنع .
( 5 ) لشأنك : أي لدينك .