وإنما أنكر معرفته للإمام مخافة أن يرغب فيه أهل الشام ويزهدوا في بني أمية ، وكان الفرزدق شاعر العرب الكبير حاضرا ، فاستيقظ ضميره ، واستوعب الحق فكره ، وقد أخذته الرعدة ، فاندفع بحماس قائلا لأهل الشام :
« أنا أعرفه . . . » .
« من هو يا أبا فراس ؟ . . »
وذعر هشام ، وفقد صوابه مخافة أن يعرفه الفرزدق إلى أهل الشام ، فصاح به :
« أنا لا أعرفه . . . » .
وعلا صوت الفرزدق بالإنكار عليه قائلا :
« بلى تعرفه . . » .
والتفت الفرزدق صوب أهل الشام قائلا :
« يا أهل الشام من أراد أن يعرف هذا الرجل فليأت . . . » .
وخف الشاميون وغيرهم نحو شاعر العرب الأكبر ، وقد استحالوا إلى أذن صاغية ، وانبرى الفرزدق ، وكله حماس لنصرة الحق ، فارتجل هذه القصيدة العصماء التي مثلت صدق القول ، وجمال الأسلوب فقال :
هذا سليل حسين وابن فاطمة * بنت الرسول الذي انجابت به الظلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها : * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يرقى إلى ذروة العز الذي قصرت * عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى من مهابته * فلا يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها عبق * من كف أروع في عرنينه شمم
من جده دان فضل الأنبياء له * وفضل أمته دانت له الأمم
ينشق نور الهدى عن نور غرته * كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم