واحتفت به المرتزقة والوجوه والأعيان من أهل الشام ، وقد جهد على استلام الحجر فلم يستطع لازدحام الحجاج ، وتدافعهم على تقبيل الحجر ، ولم يعن أحد بهشام ولم يفسحوا له ، فقد انعدمت الفوارق ، في ذلك البيت العظيم ، وقد نصب له منبر فجلس عليه ، وجعل ينظر إلى عملية الطواف ، وأقبل الإمام زين العابدين عليه السلام ليؤدي طوافه ، وبصر به بعض من يعرفه من الحجاج فنادى بأعلى صوته :
« هذا بقية اللّه في أرضه . . »
« هذا بقية النبوة . . . »
« هذا إمام المتقين ، وسيد العابدين . . . » .
وغمرت الحجاج هيبة الإمام التي تعنو لها الوجوه والجباه ، وهي تحكي هيبة جده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، وتعالت الأصوات من جميع جنبات المسجد بالتهليل والتكبير ، وانفرج الناس له سماطين فكان السعيد من يقبل يده ، ويلمس إحرامه ، وضج البيت بالتكبير وذهل أهل الشام ، وبهروا من هذا المنظر الرهيب ، فإنهم لا يرون أحدا جديرا بالتكريم والتعظيم ، غير الأسرة الأموية ، فهي وارثة النبي ( ص ) والقريبة إليه حسب ما أكده الاعلام الأموي وبادر الشاميون إلى هشام قائلين :
« من هذا الذي هابه الناس هذه المهابة ؟ . . »
وتميز هشام من الغيظ ، وانتفخت أوداجه ، وبرزت عينه الحولاء « 1 » فصاح بهم .
« لا أعرفه . . » .
هامش
( 1 ) ذكر الجاحظ في رسائله ( ص 89 ) أن هشام بن عبد الملك كان يقال له : الأحوال السراق ، وقد أنشده أبو النجم العجلي أرجوزته التي يقول فيها :
« الحمد للّه الوهوب المجزل »
فأخذ يصفق بيديه استحسانا لها حتى صار إلى ذكر الشمس قال : « والشمس في الأرض كعين الأحول » فأمر بوجء عنقه وإخراجه ، وعلق الجاحظ على ذلك بقوله وهذا ضعف شديد ، وجهل عظيم .