ومضى رفاعة فهجم على القوم فأفرجوا له ، ثم خرجوا في طلبه فلم يتمكنوا عليه لأنه كان راميا ، وأخذ عمرو أسيرا وطلبوا منه أن يعرفهم شخصيته فامتنع وقال لهم :
« أنا من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلتموه كان أضر لكم » .
وأصروا عليه أن يعرفهم نفسه ، فأبى ، فارتابوا من أمره ، فأرسلوه مخفورا إلى عبد الرحمن بن عبد اللّه الثقفي حاكم الموصل ، فلما رآه عرفه ورفع بالوقت رسالة إلى معاوية عرفه بالأمر ، فأجابه :
« إنه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص « 1 » كانت معه ، وإنا لا نريد أن نعتدي عليه ، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان » .
فأخرجه عبد الرحمن وأمر بطعنه تسع طعنات فمات في الأولى أو الثانية منها « 2 » ثم احتز رأسه وبعثه إلى معاوية فأمر أن يطاف به في الشام وغيره فكان أول رأس طيف به في الإسلام « 3 » ثم أمر به أن يبعث إلى زوجته آمنة بنت الشريد وكانت في سجنه فجيء به فوضع في حجرها وهي غافلة لا تعلم من أمره شيئا ، فلما بصرت به اضطربت حتى كادت أن تموت ثم قالت ودموعها تتبلور على وجهها :
« وا حزناه لصغره في دار هوان ، وضيق من ضيمه سلطان ، نفيتموه عني طويلا ، وأهديتموه إليّ قتيلا ، فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية ، وأنا له اليوم غير ناسية » .
هامش
( 1 ) المشاقص : جمع مفرده - مشقص - النصل العريض ، أو سهم فيه نصل عريض .
( 2 ) تاريخ الطبري .
( 3 ) الاستيعاب 2 / 517 .