الخندق كان في زمان عسرة وعام مجاعة حتى انّ الأصحاب كانوا يشدّون في بطونهم الحجر من الجهد والضعف الذي بهم من الجوع ولبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا * وعن أبي طليحة شكونا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن بطنه عن حجرين ذكره الترمذي في الشمائل ولهذا أشار صاحب البردة بقوله
وشدّ من سغب أحشاءه وطوى * تحت الحجارة كشحا مترف الادم
قيل الحجر يدفع الجوع * وعن أنس خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال اللهمّ لا خير الأخير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة * وفي رواية فأكرم الأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له
نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا
* وفي رواية ما حيينا أبدا فحفروا الخندق وفرغوا منه بعد ستة أيام * وفي المواهب اللدنية قد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبا من عشرين يوما وعند الواقدي أربعا وعشرين * وفي الروضة للنووي خمسة عشر يوما * وفي الهدى النبوي لابن القيم أقاموا شهرا * روى أنه صلى اللّه عليه وسلم كان عين للمهاجرين أن يحفروا من موضع كذا إلى موضع كذا وعين للأنصار أن يحفروا من موضع كذا إلى موضع كذا وتحاجّ الفريقان في سلمان الفارسي وكل فريق قالوا سلمان منا ونحن أحق به وكان سلمان رجلا قويا يحسن حفر الخندق فلما سمع النبيّ مقالة الفريقين قال سلمان منا أهل البيت * روى أنه كان يعمل في حفر الخندق عمل الرجلين * وفي رواية كان يحفر كل يوم خمسة أذرع من الخندق وعمقها أيضا خمسة أذرع فعانه قيس بن صعصعة فصرع وتعطل من العمل فأخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان ويجمع وضوءه في ظرف ويغتسل سلمان بتلك الغسالة ويكفأ الاناء خلف ظهره ففعل فنشط في الحال كما ينشط البعير من العقال * وروى أنه كان عمرو بن عوف وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزنى وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفروا حتى إذا كانوا تحت ذباب عرضت لهم * ذباب كغراب وكتاب لغتان * قال البكري ذباب جبل بجبانة المدينة وهو الجبل الذي عليه مسجد الراية واسمه ذو ناب أيضا * وفي رواية أخرج اللّه من بطن الخندق صخرة بيضاء * وفي المواهب اللدنية كدية شديدة وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على المثناة التحتية القطعة الصلبة * وفي رواية مرو عظيمة كسرت حديدهم فأخبروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بذلك وهو ضارب عليه قبة تركية فهبط مع سلمان الخندق وبطنه معصوب بحجر ولبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا كما مرّ والتسعة على شفير الخندق فأخذ المعول من سلمان فضربها به ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء منها ما بين لابتيها يعنى المدينة حتى لكانّ مصباحا في بيت مظلم فكبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تكبيرة فتح وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها فكبر رسول اللّه تكبيرة فتح وكبر المسلمون ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها فكبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تكبيرة فتح وكبر المسلمون فأخذ بيد سلمان ورقى قال سلمان بأبى أنت وأمي يا رسول اللّه لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى القوم فقال أرأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم يا رسول اللّه قال ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أتياب الكلاب وأخبرني جبريل ان أمّتى