لا أخاف أن يعبر المشركون من موضع الا من هذا الموضع وكان يختلف عليه ورجع مرّة من الخندق فكنت أستدفئه فقال ليت رجلا صالحا يحرس الليلة هذا الموضع إذ سمع قعقعة السلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فأمره أن يحرس الليلة هذا الموضع فذهب سعد يحرسه فنام النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم حتى نفخ وكان إذا نام نفخ * وعن أمّ سلمة أنها قالت كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ذات ليلة من ليالي الخندق يصلى في خيمته فخرج منها فنظر فسمعته يقول هؤلاء ركب المشركين يحومون حول الخندق فأمر عباد بن بشر ومن معه أن يحوموا حول الخندق ثم قال اللهمّ ادفع عنا شرهم وانصرنا عليهم فذهب عباد وأصحابه حتى انتهوا إلى شفير الخندق فرأوا أبا سفيان مع جمع من المشركين قد اقتحموا بمضيق من الخندق وقوم من المسلمين يرمونهم بالنبل والحجر فاعانهم عباد وأصحابه ورموا المشركين حتى ولوا هاربين فرجع عباد وأصحابه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وهو يصلى فلما فرغ أخبروه بذلك قالت فنام رسول اللّه حتى نفخ وما استيقظ حتى أذن بلال الفجر فخرج وصلّى الفجر مع الجماعة * وعن أم سلمة كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم نائما في خيمته ذات ليلة فلما كان نصف الليل كثر الصياح وارتفعت الأصوات وسمعت قائلا يقول يا خيل اللّه اركبوا وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جعل شعار المهاجرين في تلك الغزوة يا خيل اللّه اركبى * وفي رواية كان صلى اللّه عليه وسلم قال لهم ان بيتكم العدوّ فليكن شعاركم حم لا ينصرون فوجه الجمع أن يقال إن هذا كان شعار الأنصار واللّه أعلم * وفي سيرة ابن هشام كان شعار أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الخندق وبني قريظة حم لا ينصرون * فانتبه صلّى اللّه عليه وسلم وخرج من خيمته وسأل الحرس ما شأن الناس وما هذا الصياح قال عباد هذا صوت عمرو بن عبد ودّ العامري والليلة نوبته فبعثه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إليه فذهب عباد والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم واقف خارج الخيمة ينتظر الخبر فرجع وقال يا رسول اللّه هذا عمرو بن ودّ في جمع من المشركين يرمون المسلمين بالنبل والحجارة فدخل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم خيمته ولبس سلاحه فخرج وركب فرسه وناس بين يديه حتى بلغوا ذلك الموضع ثم رجعوا مع جراحات كثيرة قد أصابتهم فرقد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم حتى سمعته ينفخ ثم سمعت صياحا فاستيقظ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فبعث إليه عباد بن بشر فرجع فقال هذا ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري في جمع من المشركين يقاتلون المسلمين ويرمونهم بالنبال والأحجار فلبس النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم سلاحه وتوجه إلى ذلك الموضع واشتغل بقتالهم حتى الصباح ثم رجع وقال هربوا مع جراحات كثيرة قالت أم سلمة قد كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في غزوات عديدة مثل المريسيع وخيبر والحديبية وفتح مكة وحنين والطائف ولم تكن غزوة من تلك الغزوات شديدة على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم مثل الخندق لقد أصابه تعب ومشقة كثيرة وأصاب المسلمين جراحات كثيرة وكان الزمان زمان برد وعسرة * روى أنه لما اشتدّ البلاء رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أن يعطى غطفان وفزارة ثلث ثمار المدينة حتى يرجعا عنه ويخذلا قريشا فبعث إلى عيينة بن حصن الفزاري والحارث بن عوف وهما قائدا فزارة وغطفان وشرط لهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهما المراوضة في الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح * وفي رواية ان عيينة وحارثا مع نفر من قومهما أتيا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لامر المصالحة فجرى بينه وبينهم الصلح فأمر النبيّ عثمان بن عفان حتى كتب كتاب الصلح ولم يقع الاشهاد ولما أرادوا أن يكتبوا الشهادة جاء أسيد بن حضير فرأى عيينة ابن حصن الفزاري قد مدّ رجله بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعلم ما جاء له فأقبل إلى عيينة
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس — صفحة 485
مساهمون: الشيخ حسين بن الحسن الديار بكري
ص٤٨٥