متفرّقون كانت الهزيمة فلم يلو أحد على أحد والصواب ان السبب مخالفة الرماة لامر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم والأصل في ذلك مع ما أراده اللّه ما اتفق ببدر من اخذ الفداء فقد خرج الترمذي والنسائي عن علىّ ان جبريل هبط فقال خيرهم في أسارى بدر القتل والفداء على أن يقتل منهم في القابل مثلهم قالوا الفداء ويقتل منا مثلهم قال الترمذي حديث حسن وذكر غيره له شواهد تقوّيه ولهذا جاء في الصحيح انّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة قتلوا سبعين وأسروا سبعين وفيه أيضا ان المشركين أصابوا يوم أحد من المسلمين سبعين ووقع عند مسلم من طريق ابن عباس عن عمر في قصة بدر قال فلما كان يوم أحد قتل منهم سبعون وفروا وكسرت رباعية النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه فأنزل اللّه تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا والمراد بكسر الرباعية وهي السن التي بين الثنية والناب انها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها وقوله فروا أي بعضهم أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم والواقع بهم انهم صاروا ثلاث فرق فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة فما رجعوا حتى انقضى القتال وهم قليل وهم الذين نزل فيهم انّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان الآية وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا انّ النبيّ قتل فصار غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه ويستمرّ في القتال إلى أن يقتل وهم أكثرهم وفرقة بقيت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ثم تراجع إليهم الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا انه حي وما ورد في الاختلاف في العدد فمحمول على تعدّد المواطن في القصة * ووقع عند أبي يعلى في حديث عمر المتقدّم فلما كان عام أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون * قال ابن هشام في سيرته عن أبي سعيد الخدري ان عتبة بن أبي وقاص رمى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته السفلى وجرح شفته السفلى وانّ عبد اللّه بن شهاب الزهري شجه في جبهته وانّ ابن قميئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ علىّ بن أبي طالب بيد رسول اللّه ورفعه طلحة حتى استوى قائما * وفي الاكتفاء فقال صلّى اللّه عليه وسلم من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة * قال ابن هشام ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم ازدرده فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مس دمه دمى لم تصبه النار * وفي الرياض النضرة لم تمسه النار أخرجه ابن إسحاق وفي رواية غيره من أحب أن ينظر إلى من خالط دمه دمى فلينظر إلى مالك بن سنان * وعن عائشة عن أبي بكر الصدّيق ان أبا عبيدة بن الجراح نزع احدى الحلقتين من وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فسقطت ثنيته ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى فكان ساقط الثنيتين * وفي الصفوة نزع بفيه الحلقتين اللتين دخلتا في وجنته من حلق المغفر فوقعت ثنيتاه وكان أحسن الناس هتما وفي رواية ولذلك يقال له الاهتم * وفي المواهب اللدنية وهشموا البيضة على رأسه أي كسروا الخوذة ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر فأخذ علىّ بيده واحتضنه طلحة ابن عبيد اللّه ورفعه حتى استوى قائما ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدّة غوصهما في وجهه * وفي الاكتفاء وكان الذي كسر رباعيته وجرح شفته عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص وكذا قاله السهيلي وغيره ومن ثمة لم يولد من نسله ولد فبلغ الحنث الا وهو ابحر واهتم أي عطشان لا يروى وساقط مقدم أسنانه يعرف ذلك في عقبه * وفي القاموس البحر العطش فلا يروى من الماء ويقال أهتم فاه ألقى مقدّم أسنانه
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس — صفحة 430
مساهمون: الشيخ حسين بن الحسن الديار بكري
ص٤٣٠