تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
عن أمّ سلمة أنها قالت انّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لما فتن أصحابه بمكة أشار عليهم أن يلحقوا بأرض الحبشة وقال انّ بها ملكا لا يظلم الناس ببلاده كما مرّ فخرجنا ارسالا ولما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا اللّه لا نؤذى فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين من قريش وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة من الادم وغيره وكان الادم يعجب النجاشي أن يهدى إليه ففعلوا وجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا الا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاص وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي ثم قدّما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم فخرجا ولما قدما دفعا إلى كل بطريق هديته وقالا إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين مبتدع وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّ وهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فقالوا نعم ثم قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهم ثم كلماه فقالوا له أيها الملك انه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم فقال بطارقته صدقوا أيها الملك فارددهم وأسلمهم إليهما فغضب النجاشي ثم قال لا واللّه لا أسلم إليكما قوما جاورونى ونزلوا بلادي ولجئوا الىّ واختارونى على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فان كانوا كما يقولان سلمتهم إليهما وان كانوا غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاورونى فأرسل إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فدعاهم فلما أن جاء رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول واللّه ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلّى اللّه عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن وأرسل النجاشي فجمع بطارقته وأساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فلما جاءوه سألهم فقال انّ هؤلاء يزعمون انكم فارقتم دينهم فأخبروني ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين آخر من هذه الأمم

مكالمة جعفر مع النجاشي

فتكلم جعفر بن أبي طالب فقال أيها الملك كنا أهل جاهلية لا نعرف اللّه ولا رسوله نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الارحام ونسيء الجوار يأكل القوى منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى اللّه عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والصدقة وكل ما يعرف من الاخلاق الحسنة ونهانا عن الزنا والفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وكل ما يعرف من السيئات وتلى علينا تنزيلا لا يشبهه شيء فصدّقناه وآمنا به وعرفنا أنّ ما جاء به هو الحق من عند اللّه فعبدنا اللّه وحده لا نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا ففارقنا عند ذلك قومنا فعدا علينا قومنا فآذونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا وبلغنا ما نكره ولم نقدر على الامتناع أمرنا نبينا صلّى اللّه عليه وسلم أن نخرج إلى بلادك اختيارا لك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك فقال له النجاشي هل معكم مما جاءكم به عن اللّه عز وجل شيء فقال له جعفر نعم قال فاقرأه علىّ فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى واللّه النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلت لحاهم ومصاحفهم ثم قال النجاشي واللّه انّ هذا الكلام والكلام الذي جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة ثم قال انطلقا واللّه