كان الرشيد يحتفي به كثيرا إذا رآه ، وقد دخل عليه يوما ، وقد استولى عليه الغضب من أجل رجل ارتكب جرما فأمر أن يضرب ثلاثة حدود فنهاه الإمام عليه السّلام عن ذلك وقال إنما تغضب للّه ، فلا تغضب له أكثر مما غضب لنفسه » « 1 » .
الإذن بالرجوع إلى يثرب :
طلب الامام عليه السّلام من هارون ان يسمح له بالرحيل إلى يثرب ، مدينة آبائه وجدّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لرؤية عياله وأطفاله ، قيل إنه سمح له ، وقيل إنه لم يجبه قائلا له : أنظر في ذلك حتى حبسه في السجن عند السندي « 2 » . وأكبر الظن ان هارون فرض عليه الإقامة الجبرية في بغداد ولم يسمح له بالسفر إلى وطنه . فمكث عليه السّلام في بغداد مدة من الزمن لم يحددها لنا قسم كبير من المؤرخين . خلال هذه المدة لم يتعرض له هارون بسوء . قال السيد مير علي الهندي قال : « وقد حدث مرتين ان سمح هارون لهذا الإمام الوديع بالرجوع إلى الحجاز ولكن شكوكه كانت في كلتا المرتين تتغلب على طيبة قلبه فيبقيه في الحبس » « 3 » . استمر الامام في تلك الفترة من بذل الجهود لإرشاد الناس وهدايتهم إلى طريق الحق ومن الذين اهتدوا متأثرين بنصائحه بشر الحافي فقد تاب على يد الإمام عليه السّلام حتى صار من عيون عباد اللّه الصالحين المتقين لكن التاريخ لم يذكر المدة التي خلي فيها عن سبيل الإمام عليه السّلام ، فيحتمل أنها فترة قصيرة ، وكل ما ذكره المؤرخون أنه عليه السّلام انتقل من سجن إلى سجن ، من سجن الفضل بن الربيع إلى سجن الفضل بن يحيى . . فيا سبحان اللّه ، إلى هذا الحد محبة الدنيا وعشق السلطان تعمي القلوب عن الحقيقة ، وتصم الآذان عن سماع الحق ؟ ! ! فهارون لم يؤمن بكل ما رآه من الآيات والمعجزات التي ظهرت للإمام عليه السّلام فاطلق سراحه وندم على ذلك فأصر على التنكيل به وكانت الجريمة .